الأربعاء، 10 نوفمبر 2010

وظيفة المُغَنِّي والشاعر في ديوان " كتابة على شاهد " للراحل عطية حسن بقلم الشاعر أشرف البولاقى


وظيفة المُغَنِّي والشاعر



في ديوان " كتابة على شاهد " للراحل عطية حسن


بقلم الشاعر أشرف البولاقى


.......................




عن سلسلة " ذاكرة الوطن " بالهيئة العامة لقصور الثقافة صَدَر ديوان " كتابة على شاهد " للشاعر الراحل عطية حسن أحدِ جنود حرب أكتوبر المجيدة ، والذي لم يمهلْه القَدرُ أن يرى ديوانَه بعينيه ليَصدرَ الديوانُ بعد رحيله بالعنوان الذي اختاره هو بنفسه ليصبح ديوانُه شاهدا على قبره بالفعل ، وإذا كان من المهم أن نتعرف على كتابات المصريين التي عبَّرت عن مشاعرهم وأحاسيسهم -تلك التي اعتملتْ في نفوسهم ووجداناتهم قُبيل حرب أكتوبر مباشرة وأثناءها -فكيف بمشاعرِ وأحاسيسِ شاعر عاش مرارةَ الهزيمة وشارك في صنع النصر ؟

مِن هنا تأتي أهميةُ هذا الديوان الذي يُشكِّل رصدا وتسجيلا حياً للجو النفسي العام الذي عاشه المصريون قُبيل الحرب، فضلا عما سَجَّله الشاعرُ نفسه من لقطات حية ومباشرةٍ من واقع الميدان نفسه، فأكثرُ نصوص الديوان كَتَبها وهو يعدو ببندقيته خلف عَدوٍ أو وهو يستريح من حمل مدفع، أو وهو يختبئ من إحدى الغارات .

ينقسم الديوانُ إلى قسمين : الأول ( قصائد بالعامية المصرية ) ثلاثٌ منها كَتَبها سنة 1972 وأربعٌ سنة 1974 ، والقسم الأخر( قصائد بالفصحى ) كَتَبها الشاعر كلها في أكتوبر 1973 وهو في أتون المعارك وفي نشوة النصر عدا قصيدةً واحدة كتََبها في نوفمبر من نفس العام " أكتبُ اسمي " ، ومن الملاحظ أنه لم تخلُ قصيدةٌ واحدة من قصائد الديوان بقسميه من تاريخ كتابتها أو تاريخ تسجيلها عدا القصيدةَ الأولى من الديوان " أغنية للمهرج " التي خلت من أي تاريخ وإنْ كنا نرجح كتابتها ضمن ما كُتب قبيل الحرب ونرى أن خلوها من التأريخ له دلالته :

" دُقْ ناقوس الضحكة

وادلق على وشِّك فرحة مجنون

لا الليل المتكوِّم ف السكة

ح يعدِّي عليه النوم

ولا حتى الناس المَحنية

ح تلم سكوتها

ف نظرة لوم " ([1])

والمُطالِعُ للديوانِ بقسميه العامي والفصيح لابد أن يلحظَ هذا التباينَ الكبير في التجربة الشعرية والفنية بين القسمين، فبينما ارتفعتْ القصيدةُ الفصيحة وحلَّقت في سماوات المجاز والتكثيف محتفيةً بالومضة ومعتمدةً على التأويل الرحب والمتعدد كانت قصيدة العامية مباشِرةً، سهلة المعنى، معنيةً بالموسيقِي والإيقاعي والصورة الجزئية ، ولا يمكن في تصوري فهمُ هذا التباين بين القصيدتين إلا باستيعاب ورصد التجربة الشعرية المصرية زمنَ كتابة الديوان وهي فترة السبعينيات التي قفزتْ فيها قصيدةُ الفصحى قفزاتٍ نوعيةً من حيث الشكل والمضمون معاً لتدخل فضاءَ التجريب والمغامرة، ولتُطل قصيدةُ النثر بآلياتها وتجاربها الجديدة ، تلك الفترة التي شهدت ظهورَ الجماعات الشعرية الجديدة -المُسلَّحة منها وغيرُ المُسلَّحة- بينما لم تكن قصيدةُ العامية وقتَها مؤهلةً للخروج من سُباتها ومن شرنقتها القديمة، فلا أحدَ يمكن أن يُماري في أن التجديدَ والتجريب في قصيدة الفصحى سَبَق التجديدَ والتجريب في قصيدة العامية... كما يبدو هذا التباينُ الشعري والفني بين قسمي الديوان أكثرَ فهما واستيعابا إذا فرَّقنا بين وظيفتين كان الراحلُ مَعنياً بالتفريق بينهما في تجربته كلها وهُمَا وظيفة " المُغَنِّي " ووظيفة " الشاعر " بعد أن كانت الشعرية العربية تعتبرهما وظيفةً واحدة خاصة بعد خلود البيت التراثي العربي القائل :

تغنَّ بالشعر إمَّا كنتَ قائلَه إنَّ الغناءَ لهذا الشعرِ مضمارُ

فالشاعر في قصائدِ القسم الأول أراد أن يكون " مُغنيَّاً " فحسب ولم يكُ مطالبا بغير هذا في ظل تاريخ وطبيعة قصيدة العامية في تلك الفترة بل إن قَصْدَ الغنائية كان عنده غاية ولكنْ علينا أن نؤكد على أن غناءه كان غناء حزينا فيه من الأسى والشجن واللوعة أكثر ما فيه من الفرح أو الطرب ولم تكُ صدفةً أن تحمل القصيدة الأولى في الديوان اسم " أغنية .... " كما لم تكُ صدفة أن تحمل القصيدة الثانية اسم " رباعيات ......" فالرباعيات أقرب للغناء ببحرها القصير وقوافيها المتتالية ، وكان من الطبيعي ألا تخلو قصيدة من قصائد هذا القسم من الإيقاع العروضي ومن توالي القوافي ليصنع هذا الجرس الموسيقي المنتمي لوظيفة وأداء " المُغنِّي " أكثرَ من انتماءه لوظيفة " الشاعر " :

" وبنت بتقرا كتاب / وتحط الحنة ع الباب "([2])

" الفيلة تحوش / والملك المكشوش "([3])

" حرامية وعسكر / خايف أسكر "([4])

"أحلم بالساقية تزيِّن صدر الغيط / وبترسم زهرة ع الحيط "([5])

" إننا لازم نحارب / أيوه كان برضه واجب "([6])

بل إن ثلاثَ قصائدَ من قصائدِ هذا القسم كُتبت والشاعر( المُغنِّي ) في قريته يتأمل القمرَ الشحيح، ويريد أن يلضم عقود الفل تارة ، ومُحدِّثا عن أخته التي تملأ البلاص على الترعة تارة أخرى ص22 ، أو جالسا على المقهى أمام الطاولة والشطرنج " قصيدة ملاحظات ناقصة " أو يلعب " حرامية وعسكر ويرصد العيد "الزحمة والهيصة والألوان " ص27 . نحن إذن أمام أجواء وبيئات تدفع للغناء أكثر مما تدفع للشعر بمعناه المعاصر الذي ابتعد كثيرا عن المعنى القديم الذي قَصَر وظيفة الشاعر على التغني بأمجاد القبيلة .

وقد بدأ عطية حسن ديوانه سنة 1972 تلك السنة التي تعتبرُ واحدةً من السنوات القاسية التي مرت بها مصرُ قُبيل حرب أكتوبر، وهي السنة التي شهدتْ مقالات محمد حسنين هيكل في عموده الشهير " بصراحة " في الأهرام بعنوان " حالة اللاسلم واللاحرب " خاصة بعد رفض المبادرة الأولى التي تقدم بها الرئيس السادات للسلام مع إسرائيل، وهي نفس السنة التي شهدت حالة الوفاق الأمريكي /السوفيتي، كما شهدت حالة الاسترخاء العسكري في منطقة الشرق الأوسط . لكن الجو المصري العام وقتها لم يكن مُبشِّرا بالخير- في ظاهره على الأقل- حيث كانت الكآبة والضجر روحا عامة تسيطر على المصريين الأمر الذي دفع عددا كبيرا من مبدعيها ومثقفيها إلى إصدار بيانهم الشهير اعتراضا على حالة اللاسلم واللاحرب، بل واضُّطر كثيرٌ منهم إلى مغادرة البلاد بحثا عن صباح جديد خاصة بعد حديث السادات عن الضباب الذي كان يراه في الأفق . ولم يكن غريبا أن يُطلق على تلك الفترة اسم " فترة الرمادة " ورغم أن كل شيء كان يشير إلى عدم استسلام المصريين وإلى استعداداتهم لاسترداد الأرض والكرامة إلا أن الموقف برمته كان ناقصا ولا شك أن الجبهة السياسية والعسكرية كان لها حساباتُها الخاصة وقتها إلا أن الموقف الشعبي كان يرى ضرورة الإسراع ليكتمل الموقف بعودة الأمور لطبيعتها .

في هذه الأجواء من تلك السنة ينطلق عطية حسن ليعبر عن حالات اليأس والإحباط والكآبة والضجر التي كانت تتلبس المصريين الذين يريدون الثأر لكرامتهم واسترداد الأرض المحتلة، فيكتب قصيدتيه " رباعيات في محاق المدينة " و " ملاحظات ناقصة " ولعل تلك الحالات المسيطرة على الروح المصرية هي التي دفعت الذات الشاعرة لتعلن دون انتظار عما يمكن أن تحمله القصيدتان فدلالة " المحاق " ودلالة " النقصان " في عنواني القصيدتين واضح وجَلِي .

في القصيدة الأولى " رباعيات في محاق المدينة " يختار الشاعر/ المُغَنِّي شكلَ الرباعيات القصيرة والموجزة والتي تعتمد على خلاصة الحكمة وتكثيف الصورة والمعني في كلمات قليلة يختلط فيها اليأس بالأمل :

" دمي خدود المدينة

وليل المدينة صبأ

شايل جراحي الدفينة

وحجاب لحسه الصدأ "([7])

" وتكوني عطشانه ووسط جبال

تكبر ف وشِّك آه

ينده عليكي بلال

ولا تنهضي للصلاة " ([8])

حالةٌ من القنوط واليأس تسيطر عليه، بينما تنزف جراحه من طول الانتظار ولا يجد بدا أمام عجز الدافع السياسي والعسكري من استدعاء الدافع الديني والأيديولوجي فهذا ليل المدينة قد " صبأ " و " بلال " يؤذِّن مرةً إثرَ مرة والمدينةُ لا تستجيب لنداء الصلاة التي هي فرض لا يجوز تجاهله وهو هنا لا يغرق برمَّتِه في استدعاء الأيديولوجي الديني اعتقادا منه أنه هو الخلاص، لكنه يتخذه فقط مثيرا لأن إيمانه الحقيقي أن الخلاص من المأزق لن يكون إلا بالرصاصة :

" ع الترعة أختي

بتملا البلاص

دورت على بختي

لقيت خلاصي رصاص "([9])

لكن هذا اليأس ليس ممتدا ولا مسيطرا فهو واثق أن القمر سوف يكتمل ولن يستمر في المحاق ويطلب منه أن يعلِّمَه كيف يحب وكيف يصيح ، كما أنه رغم حالة اليأس تلك لا يزال قادرا على مغازلة مدينته واثقا أنها ستستجيب قريبا "

" عنيكي بحر من تفاح

وشفايفك المرسى

أزرع لك الورد كل صباح

وافرش لك الهمسة "([10])

ويظل متأرجحا بين اليأس والأمل في قصيدته الثانية " ملاحظات ناقصة " والتي يُعرِّض في مقطعها الأول بما يحدث في الحروب من إهدار دم العسكر لحماية الزعماء والملوك الذين لا يعنيهم إلا حماية عروشهم في إشارة منه لما حدث في 67 تحديدا بينما يُطِل الأمل في المقطع الثاني حيث " الحلم الذي يضم الزغرودة " و " الساقية التي تزين صدر الغيط " و :

" وبنت بتقرا كتاب

وتحط الحنة ع الباب

وبترسم زهرة ع الحيط

تحلم أختي بعقد خلاص

يحلم أخويا الأصغر

بقلامه رصاص

ورصاص

ورصاص " ([11])

واستحضار الأخت والأخ والأطفال الذين يلعب معهم – في المقطع الثالث – يكشف عن ألم الشاعر وإحساسه بالمرارة إحساسا عاما ينعكس على تأمله ومشاهداته لواقع الهزيمة فالشعور بالمرارة هنا ليس شعورا ذاتيا يستشعره الجندي أو الكبير البالغ فقط لكنه شعور طاغٍ وإحساسٌ عام حتى أن الفرحة بالعيد تبدو ناقصة رغم الزينة والزحام والبهرجة :

" ورغم العيد

والزحمة والهيصة والألوان

كنت ملاحظ

إن الشارع ضحكة طويلة

كتمها البلغم " ([12])

ثم ينتقل بعد هاتين القصيدتين إلى قصائدِ ما بعد النصر وهي أربعُ قصائدَ كَتَبها عام 74 وهي قصائد ( الطلقة – كتابة على شاهد – النقيب حسام الدين العزبي – صباح الخير ) تلك التي امتلأت بمفردات وألفاظ الحرب والمعارك وكأنها تشير إلى نقلٍ حي أو بثٍ مباشر من الميدان، ولا عجب فقصيدتان كاملتان كُتِبتا في سيناءَ " كتابة على شاهد – النقيب حسام الدين العزبي ) وتكفي إطلالة قصيرة على بعض مفردات وألفاظ تلك القصائد لنجدها من قبيل : الجندي –سلاحي – الصرخة والدم – الطلقة – نحارب- رشاشات –البندقية – مدفع –الرصاص – الميدان – القنابل - الطيران –الدانات – جهاز الإرسال – زناد – البارود - البيانات – شهيد ... و ... و ... الخ .

أما قصائد القسم الثاني ( قصائد الفصحى ) فهي أربعَ عشرةَ قصيدة من شعر النثر وكلها كُتبت في شهر واحد ( أكتوبر 1973 ) وفي تواريخَ متقاربةٍ عدا قصيدة واحدة كتبها الشاعر في نوفمبر 1973 وهي قصيدة " أكتب اسمي " ([13])

في هذا القسم من الديوان يتحول " المُغنِّي " إلى " الشاعر" ويتحول الغناءُ إلى الشعر الذي يبدو وكأنه مهمةٌ أكثرَ شقاءً ونُبلا حينما يتركُ " المُغني " الأهلَ والجيران والأحباب ليرتدي زى الجندي ليصبح وكأنه في مهمة رسمية، ومع اعتبار اللغة العربية في المعتقد الشعبي والثقافي معا هي اللغة الرسمية يتحول الشعر إلى وظيفة قاسية وعنيفة يودع خلالها الشاعر نشيدَه البسيطَ والبريء وترانيمَه الشعبيةَ واحتفاءَه بالبيئة والطبيعة ليتفرغ للذات بكل مستوياتها متكلمة أو مخاطبة أو غائبة، وليَشْرَعَ في التقاط مشاهدَ بعينِها وليصورَ فرحته بالنصر إلى ما يشبه إعادة رسم خارطة جديدة للواقع الجديد، وبدتْ أكثر قصائده القصيرة وكأنها لوحاتٌ تشكيلية، وهو ما يُفسِّرُ لنا استخدامَ الشاعر للألوان بكثرة في هذا القسم " شعر الفصحى ":

" الأحمر المذبوح([14]) / يتضاهى الأصفر([15]) / أطلقه مصبوغا ([16]) /احمراره الأسود([17]) " وليتحول الغناء الحزين إلى فلسفة عميقة يضطر فيها الشاعر للنظر في الكتاب المقدس واستدعاء نصوصه وأحد أنبياءه النبي سليمان :

" وحتى متى يا بَنِي البشر

تجعلون مجدي عارا " ([18])

وإذا كان " المُغَنِّي " في القسم الأول مهتما بمناداة القمر والليل والوقوف على الترعة ف " الشاعر " مَعْنِيٌّ أكثر بالثقافة الإنسانية وإقامة علاقات جديدة مع المنتَج الثقافي والإنساني العالمي، وهو ما يفسر هنا استدعاء الشاعر الأسباني لوركا ([19])تارة والبلغاري فايتزاروف([20]) تارة أخرى ،

ويبدو انتماء نصف قصائد هذا القسم على الأقل إلى ما أطلقوا عليه بآخرة من الوقت " شعر الومضة " فالشاعر ليس معنيا بالتفاصيل ولا الجزئيات بقدر اهتمامه بالرمز والتكثيف الشديد في صنع صورة شعرية مفارقة أو مغايرة تحتاجُ إلى جهدٍ لسبر أغوارها :

" الأحمر المذبوح

يسقط ملتهبا

بينما الصبار ينمو مرتعدا

في تفاحة آدم "([21])

.....................

" يستيقظ الحطَّابُ

بينما الصبي يحتلم

ثديان

يمشطان شعر صدري عاليا

مثل طفلة تشب فوق جذعها

تريد برتقالة " ([22])

فإذا كانت قصائد القسم الأول من شعر العامية تبدو سهلة التناول، قادرة على إبراز المعني والدلالة فإن قصائد هذا القسم من شعر الفصحى تتسم بالإغراق في المجاز والسعي نحو الصورة المركبة، ليظل المعنى قابلا لتعدد الدلالة باختلاف كل قارئ وذائقته، حيث تظل على سبيل المثال العلاقة بين الحطاب والصبي المحتلم من ناحية وبين الثديين الذين يمشطان شعر الصدر والطفلة التي تشب تريد برتقالة –أقول- تظل العلاقة بينهما عصية على الاستدعاء والاستحضار، بينما يمكن فهم الصورة والمعنى في قصيدة " وردة " باعتبار " الأحمر المذبوح " هو الدم المراق الذي يُخلِّف مرارة في الحلق ... ذلك الدم الذي اتخذه الشاعر متكأ ومحورا وقف أمامه كثيرا في قصائد هذا القسم :

" فاغرورقَ قلبُها اليابس/ بنصف قطرة دم "([23])

" ساحبا خلفه مقبرة / حالما مثل نصل دموي " ([24])

" والنهار يصعد في الدماء "([25])

" وكنت أرى في عينيك نعشي / وسيفا مغلقا بالدم "([26])

وكأن فكرة الدم بمعنى الثأر هي الهاجس المسيطر على الشاعر الجندي المقاتل .... وبالرغم من زعمنا أن قصائد هذا القسم غلب عليها التكثيف الشديد حتى بدا بعضها مرهقا في الوصول إلى المعنى والدلالة إلا أن قصيدتيه " الكفن .. إلى الشهيد عاطف علي دنيا ، وقصيدة إلى الشهيد ملازم صلاح عبد الجواد " جاءتا أقل كثيرا في الاتكاء على الصورة المركبة والتكثيف الشديد "

" وعندما جمعتُ أشلاءَه الصغيرةَ

كان يريد أن ينهض

ويحشو فمي بكلمات الوداع

إلى حبيبته "([27])

وهو نفس الشهيد الذي حمل الديوانُ عنوانَ قصيدته المهداة إليه في القسم الأول قصيدة (كتابة على شاهد) حيث يقول فيها :

" إنتَ بحماستك

وانا باتزاني

نحشي صدر البندقية

برسالة من ميرفت حبيبتك " ([28])

وهناك قصيدة أخيرة في هذا القسم خلت تماما من المجاز هي قصيدة " هناك طفل يرى "

" لن أرسم هذا اليوم بطة

ولن أكتب شيئا في كراستي

ولن أصبح قارصا

خد صديقتي

فقد جاءت الطائرات

ولمعت في البعيد القاصي

خوذة حديدية " ([29])

ورغم خلو هذه القصيدة تحديدا من المجاز إلا أنها تنتمي لعالم " الشاعر " المهتم باليومي والعابر والبسيط في مفهوم قصيدة النثر تحديدا . وأخيرا يمكن الزعم أن عطية حسن استطاع أن يعبر عن الوظيفتين : وظيفة المُغَنِّي ووظيفة الشاعر إزاء واحد من أهم الأحداث المصرية والعربية في منطقة الشرق الأوسط وهو حدث انتصار أكتوبر، مسجلا إياه من واقع التجربة الحية والمعاشة والتي تختلف بالطبع عن تسجيل الكثيرين ممن سمعوا أو قرأوا عن هذا الحدث، ليرحل تاركا لنا كتابته تلك على شاهده وكأنه كان يستشرف مستقبله حينما أهدى ديوانه " للجنود الأبطال وقودِ الحرب الذين لم يحصلوا على شيء "([30]) فهو نفسه واحد منهم لم يحصل على شيء غير تقديرنا لما كَتَب ولكن بعد رحيله ....!

أشرف البولاقي



[1] ص 17

[2] ص24

[3] ص23

[4] ص25

[5] ص25

[6] ص32 كتابة على شاهد

[7] ص21

[8] نفسه

[9] ص22

[10] نفسه

[11] ص24 ملاحظات ناقصة

[12] ص27

[13] ص59

[14] ص45 قصيدة وردة

[15] ص57 قصيدة نصف وردة

[16] ص62 قصيدة حلم

[17] ص70 قصيدة الكفن

[18] ص62

[19] ص68

[20] ص66 كتب الشاعر أنه ألماني ...؟!

[21] ص45 وردة

[22] ص51 قصيدة ورقة ليمون

[23] ص53 قصيدة عمر جديد

[24] ص55 موت

[25] السابق

[26] ص68 إلى حبيبتي

[27] ص69 الكفن

[28] ص32

[29] ص49

الإهداء ص5







الثلاثاء، 9 نوفمبر 2010

الشاعرمحمد مغربى مكى .. سيرة




الشاعر محمد مغربى مكى
سيرة ذاتية

...........


• الدبلومة العامة فى التربية سنة 1988 م .
• الماجستير فى اللغة العربية وآدابها – كلية الآداب – جامعة القاهرة سنة 1993 م بتقدير ممتاز ، وكان مجال تخصصه "الأدب الشعبى" ، وعنوان رسالته "المأثورات الشعبية فى كتاب الحيوان للجاحظ" .
• آخر وظيفة شغلها : عمل موجهًا عامًا للصحافة المدرسية بديوان مديرية قنا التعليمية .

الأنشطة الأدبية :
* فى مجال الإبداع الشعرى :
* له ديوان شعر مطبوع بعنوان "منمنمات .. على جدار العلاقة" .* اختير واحدًا من شعراء "معجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين"، وأورد له المعجم ثلاث قصائد وسيرة ذاتية موجزة (جـ 4 ص 582) .
* نشرت بعض أعماله الشعرية فى دوريات مصرية وعربية ، مثل: "صباح الخير" المصرية ، "عقيدتى" المصرية ، "الأيام" السودانية، "ألوان" السودانية ، "مجلة الكويت" ، "مجلة الفيصل" السعودية .
* عام 1995 م حصل عن مجموعة شعرية على المركز الثالث على مستوى الجمهورية ، فى مسابقة المجلس الأعلى للشباب والرياضة للإبداع الشعرى للقادة .
* وفى عام 1996 م حصل عن مجموعة أخرى على المركز الأول على مستوى الجمهورية فى نفس المسابقة .
* عام 2001 م اختيرت قصيدته "أنا وهى والشعر" ضمن أفضل عشرين قصيدة قدمت إلى مسابقة مؤسسة البابطين للإبداع الشعرى ، ونشرت فى ديوان مجموع صدر بمناسبة اختيار الكويت العاصمة الثقافية للعالم العربى عام 2001 م .
* عام 2007 م حصل على المركز الثالث فى مسابقة "جائزة البردة" الدولية فى دورتها الرابعة ، والتى تقيمها وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع بأبو ظبى بدولة الإمارات العربية المتحدة عن قصيدته "ظلال البردة" .
وفى عام 2009 حصل على المركز الثانى فى الدورة السادسة فى نفس المسابقة ، عن قصيدته " وقد تجب الشفاعة .. للوفى"
* له مجموعة شعرية للأطفال بعنوان "البراعم" .

* فى مجال المقال الأدبى :
* نشرت له مجموعة من المقالات فى مجال تخصصه فى الأدب الشعبى العربى منها على سبيل المثال : " الألغاز والأحاجى "، " الملاحن والمعاريض والكنايات "، فى مجلة " الحرس الوطنى " السعودية، " العلاقات بين الإنس والجن فى الأدب العربى " فى مجلة " الفيصل " السعودية، "الغراب .. مظلوم الوجدان الشعبى" ، ... وغيرها .
* له مجموعة مقالات يعدها للنشر فى كتاب واحد فى ميدان الأدب الشعبى حول "الحيوان والطير.. فى تراثنا الشعبى العربى" .
* فى مجال الدراسات النقدية :
* له طائفة من الدراسات فى بعض التراث المحقق ، تنتظر نشرها فى كتاب واحد تحت عنوان " قراءات نقدية فى كتب محققة "، يتناول الكتب الآتية:







* فى مجال القصة القصيرة :
* له مجموعة قصصية (تحت الطبع) بعنوان "الرجال .. وأشياء أخرى"
* فازت قصته القصيرة "أما قبل .. وأما بعد" بالمركز الأول فى مسابقة موقع "طموح" ضمن فعاليات المسابقة الكبرى "عرف الناس بنبيك الكريم" .

* فى مجال البحوث العامة :




1- الحيوان للجاحظ تحقيق : عبد السلام هارون . 2- البرصان والعرجان للجاحظ تحقيق : عبد السلام هارون . 3- طوق الحمامة لابن حزم تحقيق : أ. د. الطاهر مكى . 4- الغصون اليانعة لابن سعيد الأندلسى تحقيق:إبراهيم الإبيارى. 5- الورقة لابن الجراح ت : عبد الوهاب عزام ، عبد الستار فراج 6- ديوان دعبل الخزاعى تحقيق : محمد الصاحب عمران الدجيلى . 7- ديوان ابن الرومى تحقيق : أ. د. حسين نصار وآخرين . 1- " المجتمع الجاهلى من خلال شعر المعلقات " . 2- " التطرف الفكرى والإسلام " (تاريخ ومواجهة) . 3- " الإدمان " (بين الدين والاجتماع وعلم النفس) . 4- " منهج الإسلام فى تربية الشباب " . 5- " المبادئ الإسلامية فى معاملة غير المسلمين فى المجتمع المسلم ". 6- " المشكلة السكانية " (قضية ومواجهة وموقف) ، وقد فاز بالمركز الأول على مستوى الجمهورية فى المسابقة الفكرية للقادة سنة 1955 م بالمجلس الأعلى للشباب والرياضة . 7- " الحضارة الإسلامية " و فاز بالمركز الثانى على الجمهورية فى المسابقة الدينية للقادة بالمجلس الأعلى للشباب والرياضة عام 1996 م . 8- " الحوار .. فى السيرة النبوية " . 9-"الدعوة إلى الله .. فى العهد المكى" .

هدية من الفنان الجزائري محمد بوكرش إلى الروائي المغربي ميلودي شغموم




هدية من

الفنان الجزائري محمد بوكرش

إلى الروائي المغربي ميلودي شغموم

DSCN7963



أنا المغرب- خاص:

لن أجد أحسن من هذه الطريقة الرصاصية لتكريم أخي وعزيزي المبدع المغاربي الانسان الجميل الرائع ميلودي شغموم وهي عبارة عن قراءة تشكيلية هندسية لشخصه الكريم

بوكرش محمد

27/7/2009



الروائي المغربي ميلودي شغموم



ولد سنة 1947 بالمعاريف (ابن أحمد)، تابع دراسته العليا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط.

حصل على دبلوم الدراسات العليا في الفلسفة سنة 1982 ثم على دكتوراه الدولة من نفس الكلية.

اشتغل بالتدريس بالمحمدية. يعمل حاليا أستاذا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمكناس.

بدأ النشر سنة 1972 بظهور مجموعته القصصية “أشياء تتحرك” وقد التحق باتحاد كتاب المغرب في نفس السنة. له مجموعة كتابات قصصية، روائية، فلسفية وترجمات نشر بعضها بمجموعة من المجلات: آفاق، أقلام… لابولي…

أصدر شغموم الميلودي مجموعة من الأعمال وهي تتوزع كالتالي:

الأعمال السردية:

- أشياء تتحرك: قصص, مطبعة طنان، البيضاء، 1972.

- الضلع والجزيرة: روايتان, دار الحدائق، بيروت، 1980.

- سفر الطاعة: قصص, اتحاد كتاب العرب، دمشق، 1981.

- الأبله والمنسية وياسمين: رواية, المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1982.

- عين الفرس: رواية, دار الأمان، الرباط، 1988.

- مسالك الزيتون: رواية, منشورات السفير، مكناس، 1990.

- شجر الخلاطة: رواية، المحمدية، مطبعة فضالة، المحمدية، 1995.

- خميل المضاجع: رواية، مطبعة فضالة، المحمدية، 1995، 152ص.

- نساء آل الرندي، مطبعة دار المناهل، الرباط، 2000،

- الأناقـة، دار الثقافة، البيضاء، 2001.

الدراسات:

DSCN7970

- الوحدة والتعدد في الفكر العلمي الحديث, دار التنوير، بيروت، 1984.

- المتخيل والقدسي في التصوف الإسلامي، منشورات المجلس البلدي، مكناس، 1991.

- المعاصرة والمواطنة. مدخل إلى الوجدان، الرباط، منشورات الزمن، الرباط، 2000.

الترجمة:

- قيمة العلم / ه

نري بوانكاري, دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، 1982.

DSCN7965

BOUKERCH PAR LUI MEME

الفنان محمد بوكرش


قصة قصيرة: ( مريم ) بقلم: الاديبة السورية فاتنه حمادة











قصة قصيرة:

( مريم )


بقلم:

الاديبة السورية فاتنه حمادة
.................





علمني الصغار كيف لا أهمل ملاحظة، أن لا أتعامل مع الأمور بظواهرها .. وأن أعطي من ذاتي دون مقابل ،أن أعود صغيرة بعمر الورود كي أفهم لغة العطور وأن أعرف متى أكبر ومتى أعود طفلة . لكنهم علموني أيضاً، أن الضغط عليهم يغير ملامحهم وينمو داخلهم شيطان إن لم تخنفه بالحب والإستيعاب.. سيتولد بداخله ألف شيطان...

طالبتي التي لم تتجاوز الخامسة عشر ربيعا... صبية تضج بالحياة ومعانيها...مقبلة عليها...تنهل من أحلامها وطموحها ما يدفع للإبتسام ..يتجلى تباهيها بقامتها وحسنها خطوات تعلن عن مراهقتها وضجيج مستنفر ، متأهب للتوثب نحو حب الظهور ولفت الأنظار لهذا الحسن وهذا التميز لديها ... في عينيها اقتناص لنظرات الإعجاب...تثير الإبتسام المغتصب من ملامح المحيطين بها... تتبختر ببهاء مصطنع... وتترك إنطباع لديك ، له أثره ،لجاذبية وغرابة تلك الشخصية.

تركت قصتها بصمات في مسيرة حياتي المهنية والإنسانية وتركتني تحت إنطباع أردده في داخلي " أموت ولا أنسى".

كانت ثالث طفل لعائلة محافظة حد التزمت. وهي أصغرهم سناً. أعطيت من الدلال والغنج ما ترك الأمور عند أبويها مربكة ومحبطة حد الخطأ بحقها وبمستقبلها .

عندما بلغت "مريم" سن المراهقة و ارتدت ملامحها أنوثة وبهاء، وآن أوان تلك التغييرات الفيزيولوجية والهرمونية أن تدفع بتصرفاتها إلى جموح وتمرد، جاءت ساعة قرار الأهل بضبط الأمور دفعة واحدة من بعد إنفلات في تربيتها يوم كانت طفلة. وإذ جاء وقت الحساب العسير، والأوامر المبالغ بقسوتها لضبط ما تسيب وانفلت من حبال تصرفات صبية اليوم، جاءت ردات الفعل محبطة حد الأذى. لتقرر حادثة ، ويالها من حادثة، مصير الفتاة ولتحكم وتصدر حكمها بحقها مع رفض النقض أو حتى الاستئناف بمحكمة الوالد، ومن ورائه الوالدة، بالرغم من إحساس أمومتها بتبرئة الابنة ، قبل المجتمع والوالد. إلا أنه لم يسعها إلا الوقوف مكتوفة اليدين.

عندما راهنت الأم داخلها على براءة ابنتها وقدرت أن يكون ثمن الرهان ، تهديد لوجودها واستمرارها كسيدة المنزل وربة البيت. اختارت أن تنقذ البيت وتراهن على حب الأب لابنته بالنتيجة، ومسامحتها....

تفجر غضب الوالد كبركان ثائر وتصاعد من قمة فوهة رجولته الجريحة ، أحس بتهديد يمس عنفوان شخصه.. مستفزاً... غاضباً ... منقلباً على طفلة الأمس وصبية اليوم .

حين رن جرس الهاتف يزعق في بيتي بعد منتصف الليل وقد مضى على نومي قرابة الساعة تقريباً، حسب ساعة المنبه بجانبي. كان ضابط أمن على الخط الآخر، يأمرني بإعطاء عنوان منزلي بوضوح و بالتفصيل، بلهجة مخابراتية توحي باتهام حتى قبل التحقيق، الذي أعلن عنه بكلمات كدت لا أستوعب معناها لغرابة موقف، لم أتصور يوماً أنني سأكون فيه.

لم تمضِ دقائق معدودة حتى أنتصب الرجل أمام باب منزلي . راقبته برهة من منظار ثقب الباب قبل أن أفتح له ليدخل، لم يصبر ، أعاد الطرق بملأ كفه وبضربات متسارعة عنيفة بيده اليمنى والأخرى ضاغطاً على جرس الباب بصورة مستمرة.

حدثتني نفسي: هو يعرف العنوان إذاً، تكلم عبر النقال من جوار بيتي!!. ارتعدت أوصالي وأنا أحاول التماسك أمام هذا الزائر البغيض ... ما زلت لم أبعد عن جفوني آثار حلم باق أشبه بكابوس تمكن مني... شعرت أن ذلك الضابط يتقصد إذائي، وكأن ثأر قديم يحمل غليله، ولم يشفه إيقاظي في تلك الساعة المتأخرة مع مزيد من التوتر، ذلك الذي تحول بعد قليل إلى فضول. ثم إلى ما يشبه المغص الكلوي وهو يسألني بغباء مردداً ما أقوله بكلمات أشبه بالفصحى ينطقها بصوت عالي ... آمراً العسكري المرافق له بكتابة ما يقوله حرفياً حد يثير السخرية والضحك، لولا بشاعة الموقف الذي وضعت فيه مرغمة... يتنقل متبختراً... ضاغطاً على أعصابي بأسئلة لا علاقة له فيها على الإطلاق حسب اعتقادي.

لم ينه ذلك الكابوس إلا طلب جاءه عبرهاتفه النقال، يأمره بالتوجه فوراً إلى مركزه ليتحول ذاك الديك الصداح إلى صوص هزيل.

تبين لي من لهجته أن هنالك خطأ في التوقيت... والمفروض أن يكون ذلك التفتيش في الثانية عشرة من ظهيرة اليوم التالي وليس تلك الليلة...

خرج ضيفي غير المدعو من بيتي وكانت الساعة قد تجاوزت الواحدة بعد منتصف الليل. كم عشقت سريري في تلك الليلة وآنسني تعتيم منزلي بعد خروج المدعو "محقق" من عندي وكنت في حالة من الغيظ وقلة الحيلة تحت ضغط مشروعيته في التحقيق معي. لم يسعفني فهمي من كل سيل الأسئلة إلا أنه جاء يحقق بشأن علاقتي بإحدى طالباتي.

لم أتوصل لأي صيغة تفاهم مع ذلك المغرور المتحذلق فأنكفأت على نفسي بعد أن رحل ، وزحفت إلى غرفتي لأنام ... وإن كنت لم أعرف النوم ليلتها....

هدأت نفسي بأن شعرت براحة بعض الشيء ، برحيله من بيتي وخلودي أخيراً لوحدتي. بعد أن هيئ لي أنه كابوس لن ينتهي.

لم أصل لأي نقطة تشفي غليلي وفضولي لمعرفة ماذا حصل أخيراً... وماذا عن علاقتي بالأمر. عدت بذاكرتي إلى زيارتي الأولى لمنزل " مريم" طالبتي المقصودة، بعد أن تبرعت شخصياً بإكمال دروسها المتراكمة وإكمال المقرر لصفها ...ولم يتبقِ لنهاية العام سوى شهر ونيف، بعد إصرار عائلتها بتوقف الصبية عن الدراسة وإجبارها على المكوث داخل البيت " حتى يأتي نصيبها" على حد قول أمها. عندها لم أجد بداً من التحاور معهم وإقناعهم بضرورة حصولها على شهادة الإعدادية على الأقل ولن يتبقى على نهاية العام سوى بضع أسابيع. وكوني مدرسة رياضيات، أقدر أنها مادة تعليمية يصعب على الطالب أن يدرسها منفرداً وحده. وأنها لقسوة فاقت حدها، حرمان الفتاة من تعليمها بحدوده الدنيا. ودون أن أتدخل بتفاصيل قرارهم، رغم علمي بسبب إقصائها عن المدرسة وتلك الحادثة المشؤومة، التي زلزلت كيان الوالد والأسرة . واشتعلت أحداثها وأشعلت الإدارة والمدرسة كلها. إنما نبوغ الفتاة وتميزها في دروسها ، لم يشفع لها عند والدها أن يتنازل عن موقفه المتشدد بحجبها عن الحضور إلى المدرسة، لكنه، شفع لها عندي، بأن أواصل اكمال المقرر من دروس الرياضيات لعلمي أنها مهما كانت نابغة، ليس من بد أن أتابع معها في منزل ذويها...

ألهبت موقد ذاكرتي وأنا أحاول استرجاع مايمكن أن أجد به مايثير الريبة حين كنت أتردد لإعطاء دروسي عندهم ... لأنني توقفت عن ذلك، بانتهاء العام الدراسي، ومضى إلى الآن أكثر من أربع أشهر على ذلك ...

تذكرت أنني خرجت يومها من بيتهم وكنت أشعر بضيق بعد الضغط النفسي الذي عانيته وأنا أجاري حديث الأم المتماوت وهي تتلكأ بأي إجابة عن سؤالاتي العادية . لم يحضر الوالد بيننا رغم إصراري على ذلك الحضور ، بحجة وعكتة المرضية. إنما وافق على طلبي أخيراً بالسماح لابنته "مريم" بإكمال دروسها في البيت ،وكأنه يمن علي بتلك الموافقة، وبعد أن خرجت ودخلت الزوجة مرات عدة برأسها المنحني فوق كتفها كأنها تستجدي صدقة من أجلي.

كانت ثورة الوالد لم تهدأ بعد ، وارتباك الوالدة يربكني ويلجمني من تناول ملابسات الحادثة التي كانت حصلت ولم يمض على وقوعها أكثر من أيام.

في صباح يوم آخر وصلت إلى منزل طالبتي "مريم". كنت قد تأخرت بوصولي عندها بما يفوق النصف ساعة ، رغم دقة مواعيدي معها، بسبب صراع مع عوارض رشح وزكام أبطئ حركتي. وكعادتي لم أضرب الجرس لعلمي أن والدها لم يكن يحب صوته. نقرت على الباب بطرف قلم أحمله وأنا حريصة أن يصل الصوت لآذان "مريم" أو الخادمة التي أعتادت أن لا تتأخر علي بفتح الباب. كررت النقر مرات عدة فلم يجب احد. طالت وقفتي، وأحسست أن ما زاد على إحساسي بطول الانتظار عوارض اوجاع الزكام لدي. لكنني عندما هممت بالرجوع، أطلت طالبتي بوجهها الجميل من فتحة الباب... وخصلات شعرها المتناثر بفوضى... تغطي جبينها بطريقة ما عهدتها بها وهي الفتاة الحريصة على تهذيب شعرها وثيابها ، لتبدو أمامي كما هي داخل صفها في المدرسة.

وسعت فتحة الباب ووقفت من ورائي بعد أن دخلت. تهندم ثيابها المشعثة بحركة سريعة تدل على ارتباكها. كانت المرآة أمامي تعكس هيئتها دون أن تلحظ مراقبتي لها. مشيت في ممر طويل قبل وصولي إلى الغرفة حيث اعتدت إعطاء دروسي فيها، وقبل أن أصل إلى الباب التفت أسألها عن علبة مناديل. شهقت لحظة وجهت سؤالي لها وكانت تسير خلفي ، قبل أن ألتفت وأرى ارتباكها ووجهها الذي بدا أكثر احمراراً.

قلت لها باستغراب: هل طلبي مخيف لهذه الدرجة؟ ابتعلت ريقها ..وأجابت بصعوبة، ونصف كلماتها مبتورة: لا...لا...لا ابدا آنستي. لا شيء

و مباشرة وأنا أعاين قامتها من رأسها حتى أخمص قدميها. سألتها: هل بك شيء "مريم".

أجابت بإيماءة من رأسها: بلا.

أكملت طريقي نحو الغرفة وأنا أتوقع أن تحضر لي علبة المناديل التي طلبتها. عادت " مريم" ولم تحمل بيدها إلا رزمة أقلام ودفتر لا علاقة له بمادتي. سألتها عما يحدث.... وهل هي على مايرام. ودون أن أدري كنت زدت في إرباكها دون قصد مني، لكن سؤالي كان غاية في البراءة : إن كانت الوالدة موجودة.

- أجابت : نعم..... ثم ..لا .. هي خرجت لتوها... نعم والله العظيم الآن خرجت.

استغربت طريقتها بالتأكيد ..وهي تقسم بأن أمها خرجت في الحال.بعد مجيئي.

- قلت لها: ... حسناً .. أنا لا أريد شيء منها.

ظننت بداية أنها تعليمات من الوالدة ، لعلها غير مستعدة لمقابلتي في ذلك اليوم. وهذا شيئ لا يعني لي الكثير.

خرجت "مريم" من الغرفة لإحضار دفاترها المطلوبة ..وطال غيابها.... ولأنني أعاني من رشح وهي لم تأتيني بالمناديل.. توجهت إلى خارج الغرفة بهدف الوصول إلى الحمام.

دخلت خطأ بممر طويل ، تبينت بعدها أنه يفضي إلى المطبخ. ورأيت موقفاً لم أعرف وقتها إن كان عادي ام لا. كانت " الخادمة تقف قبالتها تقسم وتزيد القسم.... الخادمة بقامتها الضخمة ونصف انحناءة و طالبتي بحجمها الصغير... تتجادل معها بحدة واهتمام ... وانفعال ظاهر .. تلوح بساعديها ... محمرة الوجه وملامحها تعلن عن انزعاج ... ولأنني أنتظر علبة المناديل الورقية وأنا مرتبكة بما أصابني من زكام..... ثم اضراري للخروج من الغرفة بحثاً عن الحمام... أغاظني. جدالها مع الخادمة، كان من الممكن تأجيله لطالما أنها وخادمتها بنفس البيت ...

لكنها مفارقة استوقفتني بعد ذلك. هل من الممكن أن تكون مريم ارتكبت ذنب وتريد من خادمتها التكتم عليه؟ ربما كانت تحادث حبيباً بالهاتف ... أو ربما عثرت الخادمة على صورة لشاب بحوذتها... أو...أو... أقلقني أن تكون عند "مريم" إرتكابات ستؤثر على دراستها وتزيد من تشدد والدها ومن تضييق الخناق حول رقبتها أكثر فأكثر .

عدت إلى الغرفة و كل شيءكان بعدها طبيعي.

كانت والدة "مريم" غالباً ما تأتي إلي بعد نهاية كل درس . كانت تتحاور معي وتتلمس مني إعطاء تقرير عن سلوك ابنتها قبل تقريري عن درسها أوأدائها..ففي بداية الأمر كنت ألحظ عبوس وتركيز كبير في ملامح الأم وكانت تزم فمها بعصبية كلما انتظرت إجابة مني. ظلت تربكني وتحسسني كأني موضوعة تحت مجهر، أو كأني سأحاسب إن لم يكن تقريري بالدقة الكافية. و كلما تطرقت إلى الحديث عن شيء يخص الدروس ، محاولة مني شرح نقاط ضعف "مريم" بالنسبة لما كانت عليه قبل حرمانها من المدرسة، كانت الأم تقود الحديث إلى كيفية تصرفات وسلوك ابنتها ... سواء في الوقت الحاضر أو فيما مضى، وقت كانت "مريم" ما زالت طالبة نظامية. والحق يقال... كانت طالبة مثالية ... برأي وبرأي كل مدرسيها ومدرساتها ...تصرفاتها كأي فتاة تمر بمرحلة المراهقة مقارنة مع باقي زميلاتها... لم يصدر بحقها أي شكوى من إدارة المدرسة...

كنت أذهب إلى منزل "مريم" كل يوم تقريباً عدا يوم الجمعة. أعطي دروسي قرابة الساعتين، وأكثر من ذلك أقضيه مع أمها التي كانت تصر على انفرادنا بالحديث وإقصاء الفتاة خارج الغرفة.

كانت تحدثني عن ولادتها المتعسرة بمريم، وعن فرحتها وفرحة الجميع المكتومة بالمولودة ،وهم اللذين لم يرزقوا بأسرتهم الصغيرة ولا حتى في محيط أسرة الأب كأخوات أي فتاة ... مما صعد نجم مريم وأصبحت تحت أنظار الجميع.

كانت الأم تجلس قبالتي وتحلق بالفراغ وهي مسترسلة في الحديث عن ابنتها. تكلمت عن كل سنة وكل شهر مر بطفولتها. كانت تتوقف عن الحديث حين أذكرها بأنها أصبحت صبية بعمر المراهقة فتتنهد وتلوح دمعة بمقلتيها ثم تنسحب.

وبمرور الوقت تثنى لي أن أفتتح من جديد الحديث عن الحادثة المشؤومة .. وكيف تعرضت "مريم" إلى مظالم فوضعت بخانة الشك، ولم تكن سوى مصادفة لم تخدمها أبداً...افتتحت حديثي بأن سألتها إن كانت الصبية التي وقعت بنفس الفخ، مسموح لها بزيارة الابنة... تحاشت الأم خوض الموضوع ... لكنني كنت مصرة، ولن أسمح أن تمر مثل هذه الحادثة وأنا على علم ببرائة "مريم" ...

قلت : هل تظنين فعلاً أن ابنتك التي ربيتها أنتي وعرفتها أكثر من الجميع أن تكون متورطة فعلاً بالدخول لمنزل هؤلاء الشبان، مع باقي مجموعتها من الفتيات، وهي تعلم أنه منزل موبوء؟!!

- واللهي يا آنسة سماح، كل ما أعرفه أن موجهة المدرسة ، داهمت المنزل ، وكانت ابنتي بين المجموعة...

- ألا يهمك أن تعرفي كيف دخلت...

- سمعت من "مريم" ولم يقنعني تبريرها، ولا أعجب والدها..

- هل لي أن أضيف تفاصيل، لم تعرف أن تستند إليها "مريم" بحكم عمرها الصغير لتسوقها دليل برائتها؟

- ...................................

- يوم تعطل "باص" المدرسة ، ومرت قرابة النصف ساعة، ولم يأت . وكان الكادر التدريسي والإدارة انصرفت من المدرسة، إلا من فصول الحصص الإضافية، حيث كنت من المدرسات اللواتي تعطي درساً إضافياً لشعبة أخرى.. "مريم" وزميلتها التي تقطن نفس المنطقة على نفس خط التوصيل إلى المنازل. لم تجد بد من الخروج والبحث عن هاتف ليأتي أحد من أفراد الأسرة لإعادتها وزميلتها إلى البيت...

- ولماذا لم تطلب منك أو من غيرك من المدرسات الهاتف النقال للاتصال؟

- هي وزميلتها تعرف بأنه ممنوع على أي شخص مقاطعة الدرس، وهذا انضباط من الفتاتين...

- نعم.. ولماذا إذاً لم تنتظر حتى انتهاء الدرس، لتدخل بعدها وتطلب هاتفك النقال؟

- يا أم مريم... هل من المعقول انتظار قرابة الساعتين، في باحة المدرسة لعمل لاشيء سوى الانتظار؟!!...خاصة أنه متعارف عند الفتيات اللجوء إلى هاتف خارج المدرسة في ظروف كهذه!!

- حسناً ، أنت قلتها، الخروج لإجراء مكالمة وليس زيارة لمكان موبوء ليس به إلا شبان منحلين..

- هي لم تخرج مباشرة لذلك البيت... سألت عن هاتف، وكانت الفتيات الأربع تقف عند الباب الخارجي...

- وبعد...

- واحدة من الواقفات.. تحمست للموضوع وقالت أنه يوجد أقارب لها في البناء المقابل... وهو أقرب مكان للاتصال..

- وكيف تصادف أن داهمت البيت تلك الموجهة بصبحة حارس المدرسة إلى هناك؟

- اشتكت بعض الطالبات إلى الموجهة التي وضعت الفتيات اللواتي كن عند الباب تحت المراقبة..ويوم ذهبت الفتيات الستة إلى هناك.. وداهمت المنزل مباشرة بعد دخولهن... تصادف أن كانت "مريم" وزميلتها في ذلك اليوم.. دون أن يكن لديها أي فكرة مسبقة عن الموضوع..

- نعم ..... نــ .... نعم.......هكذا استطيع أن أفهم لماذا لم تتصل بنا... لم يسعها الوقت وكانت الموجهة قد دخلت رأساً....وكنا أنا ووالدها بنينا دليلنا على عدم تلقي أي مكالمة منها...

أصبحت ألحظ تحسن برد فعل الأم اتجاه وحيدتها.إذ أصبحت أقل توتراً وبدأت ملامح الرضى وشبح ابتسامات تلوح بوجهها. لابد أن شرحي لملابسات الحادثة كان له أثره الإيجابي ... أصبحت ألطف بكثير، وردود فعلها اتجاهي من الغبطة والرضى الكثير، ورغبة في التقرب مني.

فوجئت بعبارة الأم حين أصرت على أنني السبب بتغيير تصرفات "مريم" وانقلابها... وكان تفسيري لرضا الأم علي وعلى ابنتها هو معرفة الحقيقة بعد أن شرحت لها تفاصيل الحادثة ...و برأيي أنا هي على العكس تماماً...ليست بأحسن حال... بل أشعر بتراجع في أدائها الدراسي... ولم يعجبني ذلك الشرود المتواصل وقت إعطائي الدرس... لكنني عرفت بعدها ، أن ما يرضي الأم بالوقت الحاضر .. هو شيئ آخر... هو مكوث "مريم" المتواصل في البيت .. والكف عن الإلحاح بالخروج كما كانت من قبل... هو تغيير أسلوبها في اللباس ورغبتها في ارتداء المحتشم الذي يخفي تفاصيل جسدها ..بعد (رجوعها إلى دينها وقراءة القرآن) على حد قول الأم.....

لا أعرف لماذا كنت أحس بضيق كلما تحدثت معي الأم ونقلت مشاعر احساسها بتغير ابنتها وامتنانها لي. فأنا لست المسؤولة عن حجم ذلك الانقلاب في شخصية "مريم" بل إنني بطريقة ما، كنت أشعر بخطب أصاب الفتاة وأنا أعرف ضمناً تقصيري بعدم لفت نظر الوالدة لموضوع إمكانية تواصل الفتاة مع أحدهم عن طريق الهاتف. بعدم لفت نظرها إلى ذلك الشرود المتواصل الذي زاد عن حده، والذي يضطرني في كثير من الأحيان إلى نهرها لتعود لمتابعة الدرس معي. كما لم ألحظ أي تحسن بنفسية الفتاة أو حتى مايدل على إحساس بالرضا عن نفسها . لم اتحدث معها كثيراً بشأن سلوكها وتصرفاتها. بل كنت أمرر لها، خلال إعطاء دروسي، بعض من توجيهات وأمثلة بطريقة غير مباشرة. وهي لم تشكو لي ولا مرة عن ظروفها في البيت. فلم أجد الفرص الكافية لفتح مواضيع جانبية لكنني لاحظت حتماً هدوئها وتلطفها في الكلام. أصبحت تتحدث بصوت أخفض وتنتبه لكل عباراتها. وإن فقدت تلك الحيوية في خديها.

لاح لي شيء غير كل هذا... رأيت إبتسامة هازئة واستخفاف في وجه "مريم". لمحته لأول مرة، عندما كانت الأم تتحدث معي بهمس وهي ترمقنا ... كأني لمحت موت فرح... وخيبة عميقة ساكنة تحت أجفانها ،أرتجفت مع كل حركة ورد فعل مما حولها... كانت عيونها تحمل قلقاً يقفز بمناسبة وبلا مناسبة... لاحظت همود حركتها.... واسترخاء بكتفيها ...لم أعد ارى ذلك الإشرئاب في عنقها... وكان ميزة ميزتها عن غيرها.

في آخر درس مقرر وامتحان مادتي في اليوم التالي، كان من المفروض أن أمكث ما يفوق الأربع ساعات لمراجعة مقرر السنة بكامله. وكالعادة لم أقرع الجرس إنما أنقر نقراً خفيفاً بقلم أحمله. أنتظر قليلاً، فيفتح لي الباب. إنما في ذلك اليوم لم ألبث أن أباشر بالنقر حتى بانت "مريم" تطل بوجهها ...للوهلة الأولى راعني ما لاحظته في ملامحها ونظرتها. أحسست أن عينيها أصبحت أكثر إتساعاً رغم زوغان بارز بتلك النظرة القلقة. كان وجهها ممتقع وقد كست حوالي العينين هالة سوداء ...شفاهها التي كانت بلون الكرز ... تحولت إلى ما يشبه قشرة الليمون. وجه أنتشل من قبر.

مددت يدي لمصافحتها فلم تنتبه. فتحت باب الدار وتركتني أدخل ومازالت هي مادة بصرها إلى ما وراء الباب.... .

قلت لها:



ـ مريم.. هل تنتظرين أحدهم وفاجأك حضوري رغم الموعد؟.....

ـ لا ... لا... آسفة أنستي ... لكنني.... لكنني.. كنت...

قاطعتها :

ـ كنت ماذا ؟... تكلمي مريم.. هل أصاب أحدكم خطب....

ـ لا ..لا.. لا عليك .. أنا آسفة إن تركتك تحسين بذلك...

قلت لها بلهجة صارمة وجافة : حسن ... إذاً!! لندخل إلى الدرس فهذه آخر زيارة لي. سنراجع كل المقرر وأريدك أن لا تكوني متوترة وأن تركزي معي.

وقفت "مريم" بعد قليل تمشي باتجاه باب الغرفة حيث وقفت والدتها تحمل صينية عليها شراب على غير عادة الأم. فتلك هي مهمة الخادمة. أحسست بالامتنان بل أكثر من ذلك أحسست ببعض الحرج وأنا أرى سيدة البيت التي تكبرني، وهي بمقام أمي، تأتيني بالشراب بدل الخادمة. فوقفت وخطوت نحوها بهمة خجلى لأعبر عن تقديري واحترامي. وإذا بمريم تسحب الصينية من يدي أمها بسرعة لتقدمها لي. لم تلبث أن تهالكت في مشيتها وصدمتني بما تحمله من شراب. وقفت لا أعرف ماذا سأفعل وأنا أرى الأم تسحب بعصبية وسرعة... بضع قطع من المناديل بعلبة فوق طاولة أمامي وتبدأ بمسح ثيابي وعند أقدامي. بينما أسرعت مريم لتجلب المكنسة والماء. كل ذلك كان أكثر من كرم بالنسبة لي، أن تقوم الوالدة بنفسها بتنظيف ثيابي بدل أن تنادي على خادمتها. اعتبرته امتنان الأم بتغير سلوك ابنتها بكل تفاصيله. فآثرت بإشعاري بذلك الامتنان عن طريق تلطفها الزائد معي.

خرجت ذلك اليوم من بيت طالبتي بعد أقل من ساعة ونصف لأن مريم يومها لم تكن على ما يرام. كنت أشرح وأكتب وأتكلم وحدي. وقد تعبت لكثرة ما اضطررت للفت انتباهها. لكنني في نهاية المطاف يأست واعتذرت.

وكم سخرت من نفسي واكتشفت مدى غروري ،وما أحسسته من تقصير اتجاه الأم التي بذلت جهدها بتكريمي وها أنا أعتذر قبل الموعد.. ما عرفته وأنا خارجة أودعهم أنه لم يكن تكريماً إنما هو تغيب الخادمة التي ربما كانت في اجازة او لربما فرت هاربة من عندهم.

مر على زيارتي الأخيرة لمنزل "مريم" أكثر من أربع أشهر. كانت عطلة الصيف أقصر مما يخطط لها لإنجاز مهام وأمور مؤجلة. على أقل تقدير زيارتي لمنزل مريم . لكنني لم أعد أسمع من طرفهم أي كلمة ولو حتى بالهاتف.. اللهم إلا مرتين خلال الشهر الأول من العطلة.

في تلك الليلة التي سببت لي أرقاً بعد زيارة المحقق إلى بيتي. و التحقيق الذي خص طالبتي "مريم" التي عايشت وعرفت الكثير عنها . تلك المسكينة ماذا حصل معها من جديد؟ تشوش ألهب تفكيري، ولم يكن أمامي خيارات سوى إعادة شريط صور زياراتي لمنزل أهلها من جديد. كنت أحاول أن أحصر دماغي وأقف عند كل لقطة لموقف معين أو لتصرف أو حدث. كانت حياتهم هادئة جداً ..لم أرى من سكان البيت إلا الأم والابنة والخادمة . ومرة واحدة لمحت الوالد أو بالأحرى شعرت بوجوده يوم تأفف من صوت الجرس فاستعضت عنه بالنقر بطرف القلم...ويوم تكلمت معه عن طريق زوجته لإقناعه بوجوب إكمال دروسها. وتلك كانت بالنسبة لي دلالة على تلف أعصاب الأب والهدوء الشديد في منزل يكاد يكون أشبه بالسجن.. فكل النوافذ موصدة تغطيها ستائر سميكة... كأنهم يخافون أن تلمح الشمس غرفهم ومن فيها.

بانت خيوط النهار ولاح الفجر... ولم أنم. كنت أنتظر أن يمر الوقت لأذهب مباشرة الى منزل مريم. واجب هو علي إعلامهم بشأن المحقق. لم ألجأ إلى الهاتف كي لا يعتذر لي أحدهم . فلا أجتمع بمريم

حالما دبت الحركة في الشارع أرتديت ملابسي على عجل، بضع دقائق كنت أمام بابهم، طالت وقفتي وقارب قراري بالأنسحاب والعودة، بعد أن يأست. لكن الباب لم يخيب أملي، لتظهر أم مريم أمامي، كأنها تتحدى فضولي... شبح ابتسامة صفراوية لاح رغم تجهمها.

وقفت لا أعرف كيف أبدأ بعد أن ألقيت تحيتي بارتباك ... تخيلت أن شكلي أصبح كطفل صغير يبتسم وهو يكابر بإطلاق صرخة بكاء، بعد أن بال في ثيابه. فلو كان لدي خيار لهربت من وجهها وأنا ألعن اللحظة التي أتيت بها. لكنها شعرت بي وأفسحت الطريق أمامي. قالت ملاطفة : أهلا وسهلا شرفت .... تفضلي البيت بيتك....

انتبهت لنفسي أنني ألتقط خطواتي فلا أدوس على كعب قدماي... وألقيت بجسدي دفعة واحدة عند أول كرسي في الصالون. كان المنزل كعادته هادئ حد الموت.. بارد رغم الحر خارجه.... وغير مضاء.

جلست الأم قبالتي ترحب بي وهي تكابر أن تنفجر باكية يمنعها كبريائها. فبادرت أنا وسألتها: أين مريم؟

أجابت: مممممممممم موجودة.... نعم .... موووووو

ـ أنا لم آتِ لأحرجك لكن مريم عزيزة وغالية على قلبي ويعلم الله كم أحببتها... وكم عنى لي نجاحها... لكنني جئت لأعلمك بأن محقق زارني فجر اليوم ...وأخذ يسألني عن علاقتي بمريم ... تفحصه لمنزلي وذلك الإقتحام لبيتي ،عنى لي شيء واحد ...

ـ نعم .... "مريم" هربت من المنزل....

رغم توقعاتي .. إلا أنني أطلقت شهقة بصوت .. حاولت مداراتها بأطراف أصابعي قلت:

ـ إلى أين

ـ منذ حوالي الربع ساعة فقط.. عرفت أين. أنها عند خالها في حلب.

ـ لماذا خالها... لماذا هربت أصلاً.

في تلك اللحظة أنفجرت الأم بنوبة هستيرية من البكاء. لم تستطيع أن تجيبني. أخذت أهدأ من روعها بعد أن توجهت إليها وأنحنيت واضعة كفي فوق ظهرها المنحني والأخرى فوق رأسها قائلة: .

لا تقسي على نفسك أكثر... كفاك ما عانيتيه لمعرفة مكانها...وأنا أكيدة من ذلك لكنني أحس بك . كان الله في عونك.

لم أجد ما أزيده من كلمات تخفف عنها وتعلن تعاطفي. أهدهد فوق كتفها برفق. مرت دقائق بطيئة وثقيلة أحسست كأنها دهراً...لكنها هي من أكمل الحديث بصوت مخنوق. كان وجهها محتقن شديد الإحمرار وقد تحولت عينيها إلى جمرتين وفمها يزمه إنفعال يكابر بكاءً ودموع حرة لاإرادية ،غسلت وجهها . قالت وهي تشهق:

ـ فضيحة كبيرة ... أكبر من أن يحتملها من كان في وضعنا..... مصيبة .... بل كارثة ...

ـ هل هربت لا سمح الله مع أحدهم.

لوحت برأسها يمنة ويسرى بحركة عصبية:

ـ ليتها فعلت.

ـ ماذا؟ كيف؟

ـ مريم حامل.

هبطت المفاجأة فوق رأسي كالصاعقة....هزتني...وسرت قشعريرة في جسدي. جلست القرفصاء لا تقو ساقاي على حملي فإعانتي هي على الوقوف. قلت لها بصوت باهت كأنه خرج من أذني : كيف؟.... متى؟ ... .. هي لا تخرج.!!..... وحملها .؟..

قالت تبتلع ريقها بصعوبة وألم خيبة صارخ بعينيها: هه...هي بشهرها الخامس... بان حملها عندما دخلت عليها مرة تغير ثيابها. كانت ترتدي قمصان نوم فضفاضة. ولم استغرب وقتها وهي تستعير قمصاني وفساتيني. ظننت أنها تعمقت في الدين ولا تريد أن يرى أحدهم تفاصيل جسدها حتى أقاربنا. حامل يا أنسة...حامل...وأنا الغبية الساذجة...لم أفهم ذلك التحول...في شخصيتها وهذا الإنقلاب في كيانها...بل لم ألحظ التقيئ المستمر خلال يومها... ذلك التقزز من كثير من الأطعمة..

- كيف؟!...وممن؟...أرجوك.....سرك في بئر...مريم أختي الصغيرة...ممن ؟! كيف وهي لا تخرج من البيت.

- مرددة بصوت كالعويل:.الخـــــــــــــــــادمة..... الخــــــــــــــــــــــادمة ....

قلت: ماذا؟؟؟!

قالت هازئة:..نعم ...الخادمة لم تكن خادمة...........كان...خادم... رجل تخفى بهيئة خادمة!!!!