الأحد، 27 ديسمبر 2009

مهرجان طيبة الثقافى الدولى 2009

مهرجان طيبة الثقافى الدولى

على ضفاف النيل بالاقصر

………..

تابع الفعاليات:
الشاعر محمود مغربى
…………………….

تحت عنوان:

( الموروث الشعبى فى الادب المعاصر .. جنوب مصر نموذجا)




فى تظاهرة ثقافية كبرى شارك فيها نخبة من أدباء وشعراء مصر والوطن العربى اقيمت على ضفاف النيل بمدينة الاقصر( طيبة) فعاليات مهرجان طيبة الثقافى الدولى الدورة الثانية نوفمبر 2009 والتى افتتح فعالياتها الدكتور سمير فرج رئيس المجلس الاعلى لمدينة الاقصر والروائى الكبير بهاء طاهر رئيس المهرجان وابن الاقصر والكاتب محمد سلماى رئيس اتحاد كتاب مصر..
وقدم الشاعر حسين القباحى أمين عام المؤتمر .. فى كلمته الشكر للدكتور سميرفرج الذى اعاد الوجه الحضارى لمدينة الاقصر .. وقدم الشكر أيضا للاديب محمد سلماوى الذى قدم العون لخروج المهرجان بهذه الصورة المشرفة ورحب بكل ضيوف مصر من ادباء وشعراء الوطن العربى كذلك ادباء وشعراء مصر وكذلك الاعلاميين وثقافة الاقصر وادباء الاقصر ..

وقال الكاتب محمد سلماوى فى كلمته، إن الدكتور سمير فرج هو الذى بادر بتحويل الأقصر من متحف للآثار وبؤرة للفنون والثقافة، مشيرا إلى فكرة إحياء مهرجان أوبت المصرى القديم، مؤكدا على أن فرج قد بذل جهدا كبيرا فى الإعداد للمهرجان، وقال سلماوى إن تكاتف أهل الأقصر من كتاب وشعراء ومثقفين هو الذى مكنا من إقامة المهرجان فى العام الماضى.

وأشار سلماوى إلى أن الأقصر هى التى طرقت باب اتحاد الكتاب مذكرة بموعد المهرجان، وأكد على سعادته لتدشين الدورة الثانية لهذا المهرجان، مشيرا إلى أن هذا المهرجان يثبت عدة أشياء منها أن الأقصر تفتح ذراعيها للجميع، وهو ما يؤكده ضيوف المهرجان المصريين والعرب، وأوضح سلماوى أن هذا المهرجان يقف ضد الهجمة الشرسة التى تسمى العولمة، والتى تمحو كل ما هو أصيل.

كما تحدث الدكتور على جعفر العلاق( العراق) فى كلمة نيابة عن الادباء العرب عن الدور الثقافى الهام لمصر وجميل ان تقام الفعاليات الثقافية خارج العاصمة .. وتحديدا للجنوب فى طيبة التاريخ والعراقة.. وقد صفق له الحضور كثيرا عندما قدم التحية للنيل العظيم واهب الحياة لمصر..وقدم الشكر لكل القائمين على هذه التظاهرية الثقافية العربية.

واشارالكاتب بهاء طاهر فى كلمته إلى أن موضوع المؤتمر الذى يركز عليه هو التراث فى الأدب الجنوبى، وهو ما يعنى أن هذه المدينة لا تعنى فقط بأدباء الأقصر، وإنما تهتم بالوطن بأكمله، وأشار إلى أن أحد المحاور البارزة هى ندوات عن أدب النوبة، ومناطق أخرى عن هذا الوطن، وأشار إلى مقولة الدكتور جمال حمدان فى كتابه شخصية مصر، بأن مصر تحولت إلى رأس كاسح وجسم كسيح، مؤكدا على رغبته بأن يكون هذا المؤتمر بداية للقضاء على إحتكار القاهرة الذى أضر بالأدب.

وقال فى كلمته الدكتور سمير فرج إلى أنه لن يكتفى بما فعله فى الأقصر من تطوير للحجر، وما نتج عنه من تطوير للميادين وطريق الكباش، وإنما خصص أيضا السنوات التى تلت ذلك بتنمية البشر، مشيرا إلى أن محاور ذلك الأساسية كانت الصحة والتعليم والثقافة.

وأكد فرج على رغبته أن يكون أبناء الأقصر على أعلى مستوى تعليمى، وثقافى، مشيرا إلى أن مكتبة مبارك كانت أول مكتبة فى صعيد مصر بهذا المستوى، وما ستتضمنه من نهضة ثقافية كبيرة، وأكد فرج على أن الثقافة هى الركن الأساسى لتقدم أى بلد، وأشار إلى أن هذا الزخم الثقافى الكبير سيكتمل بقصر ثقافة بهاء طاهر، وقدم فرج وعدا بالانتهاء منه العام المقبل، وأشار إلى رغبته فى أن يكون قدوة شباب الأقصر هو بهاء طاهر وأحمد شمس الدين الحجاجى وليس “لعيبة الكورة . ثم قدمت دروع التكريم وشهادات التقدير للمكرمين فى هذه الدورة وهم الشاعر الحسين الخضرى , الاعلامى طارق الطاهر , الاديب الراحل محمد صفوت عبدالكريم.
قدم فعاليات الافتتاح الشاعر محمد جاد المولى.

على هامش مهرجان طيبة الثقافى الدولى وبحضور كبير من الادباء والاعلامين فى مصر والوطن العربى وضع الدكتور سمير فرج حجر يرافقة الاديب الكبير بهاء طاهر ورئيس اتحاد كتاب مصر محمد سلماوى حجر الأساس لقصر ثقاقة بهاء طاهر شمال مدينة الأقصر على قطعة ارض مساحتها 1200 متر تبرع بها الاديب بهاء طاهر لأبناء مدينة الأقصر ووعد الدكتور سمير فرج ادباء الأقصر باقامة قصر ثقافة يليق بمدينة الأقصر العريقة .
وسوف يقام القصر على الطريقة الهندسية (القباب)التى ابتكرها المهندس حسن فتحى
.

ومن أبحاث المهرجان( طرائق الاشتغال والتعبير الثقافى فى التراث)
أدار الجلسة الدكتور ابوالفضل بدران وشارك فيها من الباحثين الدكتور
أحمد أبوزيد .. وبحثه حفظ التراث الثقافى وحمايته ( الماثورات الشعبية نموذجا).

كما قدم الشاعر والناقد فتحى عبدالسميع .. بحثه فى ثقافة الثار وشعرية الهامة.

وفى جلسة بحثية اخرى ادارها الدكتور مصطفى رجب..
قدم الدكتور شمس الدين الحجاجى .. التراث والاسطورة فى أعمال القاص حشمت يوسف..

كما قدم الناقد الدكتور سامى سليمان ..سرد الشئون المحلية فى قصص الراحل حسين خليفة.

وفى جلسة تالية أدارها الدكتور فهد العسكر..
قدم الدكتور محمد حسن عبدالحافظ.. فقه الاستهلال التراثى فى الرواية المصرية..
وقدم الدكتور شعيب خلف.. الموروث الشعبى فى السر المصرى المعاصر ( النوبة نموذجا) .

فى جلسة بحثية أدارها الروائى فؤاد قنديل..
قدم الباحث الدكتور صالح هويدى ( العراق) وهم التحرر من الموروث الشعبى فى رواية ( آخر سلالة عائلة البحار)

وقدم الباحث عبدالفتاح صبرى .. الموروث الشعبى فى الابداع السردى نماذج من الادب المصرى( قرأ البحث الناقد سيد الوكيل )..

جلسةأدراها الناقد الدكتور على جعفر العلاق ( العراق)

شارك فيهاالباحث الدكتور علاء الدين رمضان ..حمولة الارث التوافق والتخالف فى استدعاء الموروث الشعبى فى نماذج من الشعر الاقصرى المعاصر.

وقدم الناقد الدكتور جمال التلاوى ..مقاربة وقراءة فى ديوان( نقوش على جدران الكرنك) للشاعر حسين القباحى.

وقدم الباحث مسعود شومان.. فنون التربيع الشعرية بين النص الشعبى والابداع الفردى( فن الواو فى صعيد مصر نموذجا)

واختتمت الابحاث بجلسة ادراها الدكتور علاء عبدالهادى
قدم الدكتور عبدالمجيد زراقط ( لبنان) الموروث الشعبى فى انتاج يحيى الطاهر عبدالله القصصى..

وقدم الدكتور ممدوح النابى .. آليات توظيف الموروث الشعبى فى البنيه السردية.. دراسة فى مرويات الجنوب :( الطوق والاسورة ) للاديب يحيى الطاهر عبدالله ..( وبغل المجلى ) للاديب عبدالجواد خفاجى (نموذجا)

ومن الابحاث التى فتح ت الباب واسعا أمام المناقشات بين المنصة والجمهور خاصة في “الأبحاث” الجديدة مثل ورقة الشاعر فتحي عبدالسميع عن ثقافة الثأر وشعرية العامة التي اكدت أن الشعر العربي يعتمد بالأساس علي تراثه الشعبي وللقصيدة العربية جذورا في المعتقدات الشعبية القديمة وهناك شواهد كثيرة تدل علي أن أشعار العرب أعدت خصيصا لطقوس الموت كالنواح وبعضها للاحتفاء بفكرة الثأر.
أشار إلي أن رسوخ عادة الثأر وحيويتها في الصعيد لا يمكن رده لسبب بعينه بل هو نتيجة لمنظومة معقدة جعلت النظام القبلي حياً وفعالاً رغم سيطرة نظام الدولة منذ عهد محمد علي مؤكدا أن ثقافة الثأر قائمة في العالم العربي وفي الثقافة الإنسانية بشكل عام بأدوات متنوعة. وينتج تراثاً هائل من الحكايات غير المعروفة والاشعار التي لعبت دورا في ترسيخ تلك العادة فعلي سبيل المثال يعود انشاد رواة السيرة الهلالية في الصعيد لانها نص يحرض علي زيادة نار العصبية.

في السياق نفسه جاءت ورقة د.ممدوح فراج النابي الذي حاول رصد آليات توظيف الموروث الشعبي في أعمال الكاتب الراحل يحيي الطاهر عبدالله مشيراً إلي أن الكاتب الراحل سعي دائما للموازنة بين الواقع والتراث. وحاول ان يستخدم الموروث كقناع يتخفي خلفه ليبوح بمالا يستطيع ان يبوح به في العلن ومن ثم تمثل نصوصه كالطوق والاسورة محاولة لاعادة انتاج التراث الشعبي.. والاستفاده من تقنيته الفنية لمواجهة صرامة الواقع.

كما قدم الروائى بهاء طاهر شهادته عن يحيى الطاهر عبد الله، مشيرا إلى أنه قد خصص له فصلا فى آخر كتبه المنشورة “أبناء رفاعة” حيث دارت شهادة طاهر عن معرفته بيحيى الطاهر عبد الله التى بدأت فى أواخر الستينات، عندما ألقى قصة قصيرة ارتجلها من الذاكرة.

وأكد طاهر أن يحيى الطاهر عبد الله كان يحفظ عددا من القصص ويلقيها مباشرة من الذاكرة، وأشار إلى أنه كان رواية مأساوية مثل روايته المكتوبة، لأنه كان من المألوف لمن يأتى من الصعيد أن يبحث عن عمل فى الصحافة أو الإعلام، لكن يحيى الطاهر عبد الله رفض أن يقوم بأى عمل آخر من الأعمال التى كنا نقوم بها، مشيرا إلى أنه لم يعرف كيف كان يعيش وهل كانت قصصه تدر له دخلا أم لا، وأكد بهاء طاهر أن عصبية يحيى الطاهر عبد الله كانت جنونية، وكان بينه وبين أمل دنقل والأبنودى مشاجرات مشهودة، لكنه رغم ذلك كان محبوبا.

وحكى بهاء طاهر قصة خلاف حدث بين يحيى الطاهر عبد الله، وأحد رجال الأمن بعد منتصف الليل فى قاهرة الستينات، مؤكدا على خطورة ذلك، وأشار طاهر إلى أن سبب الخلاف جهل رجل الأمن به، فقال له أنت ما تعرفش مين يحيى الطاهر عبد الله، فأجابه: لا والله معرفش مين يحيى الطاهر عبد الله، فقال له: لو قلت لك أنا مثلا الراقصة فلانة الفلانية هتعرفنى؟ أجابه: آه هعرفك، فقال له: أنا أهم منها ميت مرة، فقال رجل الأمن: طب روّح بيتكم بدل ما أبيتك فى التخشيبة.

وأشار بهاء طاهر إلى اعتزازه بنفسه وبكونه كاتب قصة، مؤكدا على أن آخر مرة التقاه قبل رحيله عندما صادفه فى الشارع وصافحه وقبله، وبعدها بأيام سمع خبر وفاته.

أما الكاتب سعيد الكفراوى فقد أشار فى شهادته عن يحيى الطاهر عبدالله، إلى أنه كان يتميز “بالعصبية الشديدة” وكان مشهورا بهذا الضجيج الذى كان يحدثه فى كثير من حياته، وواصل الكفراوى ليدلل على هذا الضجيج، عندما كان يجلس فى مقهى ريش وكان يوسف إدريس يجتمع بهم وكان حاضرا يحيى الطاهر عبد الله يوم ذاك على المقهى، فقال عنه يوسف أدريس “الولد ده لإما حرامى لإما كاتب قصة موهوب” واعتبر الكفراوى يحيى الطاهر عبد الله من أوائل الكتاب الذين تناولوا فى كتاباتهم كل المحرمات حينما بدأها فى قصة “الرقصة المحرمة” والوحدة فى “الكابوس الأسود” وأضاف الكفراوى أن يحيى الطاهر هو الذى كان فى استطاعته أن يقدم جماعته فى الصعيد بقسوة ومحبة “واعتبر يحيى الطاهر عبد الله هو امتداد لكل من جماعته التى برز منها “بهاء طاهر والأبنودى وأمل دنقل ومستجاب

كما شهدت ليالى المهرجان أمسيات شعرية شارك فيها كوكبة من شعراء مصر والوطن العربى.. كما قدمت فرق الفنون الشعبية فنون الصعيد لضيوف المهرجان وللسياح الاجانب الذين تواجدوا بكثرة فى ساحة سيدى أبوالحجاج الاقصرى .. كذلك اقيمت ليالى التحطيب التى شارك فيها نخبة من رواد هذه اللعبة التى يجيدها اهل الصعيد.
وقد صدرت للمهرجان مطبوعات متميزة .. كتاب ابحاث المؤتمر تحت عنوان ( الموروث الشعبى فى الادب المعاصر .. جنوب مصر نموذجا)
كتاب طيبة ..مجموعة شعرية للشاعر أحمد فؤاد جويلى ( كتاب المحو).

وفى ختام المهرجان رأى المشاركون أن يصدروا توصياتهم لتكون نبراسا ودليلا للعمل في الفترة القادمة، وجاءت على النحو التالي:

أولا: توصيات عامة:

1- يدين المشاركون في المهرجان الممارسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين والأرض الفلسطينية المحتلة وكل محاولات التهويد، ومحو الهوية وأحداث خلل في التركيب السكاني للفلسطينيين في بلادهم، ويخص بالذكر ما يحدث في مدينة القدس الشريف. وطالب الأدباء كل أصحاب الضمائر الحية في العالم بالقيام بمسؤلياتهم ضد الممارسات الصهيونية العنصرية في الأراضي العربية.

2- مناشدة الأشقاء الفلسطينين توحيد الصف في مواجهة العدو الاستيطاني الطامع، وتفويت الفرصة على المخطط الصهيوني لابتلاع ما بقي من فلسطين.

3- يحيى المهرجان الموقف الثابت لأدباء مصر الرافض لكل أشكال التطبيع مع العدو الصهيوني، ويدين المحاولات الرخيصة لمغازلة العدو تحت دعاوى هشة.

4- يحيى الأدباء المقاومة العربية العظيمة في كل مكان ضد الاحتلال والهيمنة الأميركية والاسرائيلية في لبنان والعراق.

5- يرفض المهرجان النزعات العرقية والطائفية والمذهبية التي تفجر الصراعات بين الاشقاء في الوطن الواحد والتي لا تخدم سوى المصالح الأجنبية والاستعمارية، ويطالبون الأخوة العرب في اليمن والسودان والعراق والصومال والعراق ولبنان بإعلاء قيمة الوطن فوق أي صراعات من هذا النوع.

6- يهيب الأدباء بالقادة العرب نبذ الخلافات وعوامل الفرقة والسعي لتوحيد الصفوف وصولا لوحدة سياسية واقتصادية تجعل العرب قوة كبرى تليق بتاريخهم وحضارتهم.

7- ينبه الأدباء إلى أن هدف الرياضة هو غرس بذور التسامح والمحبة بين الشعوب وليس للكراهية والتعصب والتفرقة بين الأمة الواحدة، ويحذرون من عواقب الشحن الإعلامي غير المسؤول كما حدث في مباراتي مصر والجزائر، ويؤكدون على وحدة الشعبين، وأن أي خلاف بينهما لا يخدم سوى مصالح أعداء الأمة.

ثانيا: توصيات ثقافية

1- يطالب الأدباء بإرساء قيم حرية التعبير واحترام الرأي الآخر وإتاحة الفرصة لكل المذاهب والآراء للحوار الفعال باعتبارة طريقا للتقدم والرقي، ويدينون اضطهاد أصحاب الرأي وسجنهم ومصادرة مؤلفاتهم ويؤكدون على ضرورة الإفراج عن المعتقلين في قضايا الرأي وعن الكتب المصادرة في عالم لم تعد فيه حدود للفكر والإبداع ولا قيود عليها.
2- يشكر الأدباء الدكتور سمير فرج “رئيس المجلس الأعلى للأقصر” لقراره الجرئ ببناء قصر ثقافة بهاء طاهر خلال هذا العام ( 2009-2010 ) ويثقون أنه سيبر بوعده ويتطلعون إلى حضور الافتتاح في الدورة القادمة كما وعد.

3- يحيى الأدباء مبادرة الأديب بهاء طاهر بالتبرع بقطعة أرض لبناء قصر ثقافة عليها وتخصيص ريع وديعة بمبلغ ستين ألف جنيه لجائزة أدبية سنوية لأحسن عمل لأدباء الأقصر، ويحيون الدكتور أحمد شمس الدين الحجاجى لتنظيم جائزة لأحسن أديب في صعيد مصر، ويعتبرون مثل هذه المبادرات نموذجا قابلا للتكرار من الأدباء المصريين.

4- يشكر الأدباء الدكتور سمير فرج لدعمه للثقافة بالأقصر ووقوفه بجوار أدبائها ورعايته لمؤتمراتهم ومساندته لمجلة للمرأة والطفل ويطالبونه بإصدار مجلة أدبية تكون إضافة للحركة الأدبية في مصر.
5- يرى الأدباء أنه لا بد من الاهتمام بالصفحات الأدبية في الصحف القومية والحزبية والمستقلة وزيادة المساحة المخصصة لها وألا تطغى الإعلانات عليها.

6- يطالب المشاركون الساده وزراء الدفاع والصحة والثقافة بسرعة التدخل لعلاج الأديب محمد ناجى على نفقة الدولة علاجا كاملا مفتوحا وبشكل عاجل قبل فوات الأوان تأكيدا على احترام الدولة لمبدعيها، كما يطالبون وضع آلية لعلاج أصحاب الحالات الحرجة بالتنسيق مع اتحاد الكتاب.

7- يناشد المؤتمرون المراكز البحثية والجامعات والمؤتمرات الأدبية على المستويين المصري والعربي الالتفات إلى الأعمال الإبداعية لكل المبدعين بامتداد الساحتين العربية والمصرية، وعدم قصرها على أعمال أدباء بعينهم.

جانب من حضور المهرجان

جانب من حضور المهرجان























السبت، 26 ديسمبر 2009

قصائد بالعامية المصرية

مشاهد من كتاب البنت




(1)

البنت
الساكنه فى آخر مشهد كراستى
إمبارح بس!
فتحت لى كتاب الكون..،

وكان متهيألى

هيكون متفصل على كدى..

أتارينى كنت أهبل

مخدوع
مش عارف أن الكون مفتوح
مفتوح!





(2)

ف بلدنا
واقف على أعلى طرطوفة المشهد

وف عينى نضارة ميدان..

بتأمل..

ياه ….
…..
…..
…..

ياه …!!

المشهد دخلنى متاهة

وعشان اتخلص من توهتى..

قلّعت عيونى..

ورميت بدنى فى ضل الحيط !





(3)

ف بلاد برّه
المطره شئ عادى
بتصادق كل الشبابيك
وتملّى بترقص فوق أسفلت الشارع
وكمان بتعاكس شعر البنت الشقرا بحنان

وساعات بتشده بجنون

لكن فى بلدنا

أقصد فى صعيد المحروسة

لمّا تزورنا المطره..

تتحزم بجنازة
وتغنى ب بوووووووووووووووووووه !




(4)

الطفل الساكن جوّايا

وف طرف الشارع لابد
متخبى من عين شبابيك الحارة السد
الطفل الساكن مستنى

من وقت طويل مستنى

فوق إيده شايل روح بتهفهف،

وعلى طرف لسانه

كروان حزنان..

مش عارف يغنى !




(5)

فى عينكى حلاوة أمبارح
وامبارح لملم خلقاته من بدرى

رغم انه وعدنى حقيقى..

راح يستنانى
ويتبنانى لوحدى

ولوحدى كمان

يفتح لى شبابيك المشهد ..

والمشهد واقف فى البعد حزين

مستنى ..

مستنى
وأنا وانتى عصافير

بتحب تغنى
وكمان
بتحن كثير للمشهد !


****






( السوسنة والغيره )

بحس الْغِيره ف عنيكى
كما النّار اللّى ف عيدان الحطب قَيْدا

ولا تفرّقْ ما بين أخضر ولا يابس !

بحس النبض ف قليبك
ما بين مدّه وبين جذره
بيهدم عشة العشقانْ
ولد ولهان
بيعشق ف الصّبايا شىّ
لا هو ظاهر ولا مخفىّ
ولكن فى العيون حَافى
كما طِفله ف يوم ولِدتْ

- بلا دايه
ولكن ف العيون غايه

بحس الْغيره ف عنيكى

- سُيول جَايّه
تَغطّى جُسور محبّتنَا

وتمحى عنها خطوتنا

وتجرى الخطوه
تجرى الخطوه مذعوره

- لحضن الشيخ ف قريتنا
تلاقى الحضن متألّمْ

بحس الغيره ف عنيكى

- نشيد باكِى

- ف ليل حاكى
عن الحلوة اللّى ف البندر
عن الغِنوة اللّى ف كتابِى
عن الصورة اللى فُوق بابى
عن الخطوة اللّى سحرانى فى عزّ الضهر،

وخلتنى مشيت حافى ومتعكّرْ !

بحس الغيره ف عنيكى

يا أول غنوة بَسْطُرها

- فى مكتوبى
وبنقِِِِشها على جناح العصافير

اللّى بتشقشق

- وبتزقزق ف عز الليّل
ولا تنسى ولا تتناسى
إنك إنتى مكتوبى

ومتسطر على جبينى ! !

ومتسطر على جبينى ! !





( الحجارة اتكلمت )

قالوا السكات

- فوق الوشوش أوسمه !

قالوا السكات

- سكر نبات

وعيون بنات متبسمة !

قطر السكات
جوانا ليل
وهد حيل
جملة حزينة مغموسة ويل
كل الحجارة اتكتفت
من عام حزين
وف لحظة واحده
اتألمت
واتكلمت
طارت لفوق ..

طارت وطارت ..

حالفة اليمين لتناطح النجمة القويه
أم الأيادى ملطخة بدم خويا
كل الحجارة من زمن
ملهاش تمن
ملهاش كفن

وف لحظة من عمر الزمن ..

طلعت صباح

- شايل سلاح

- رافع علم !





( ليه النخيل ساكت ؟ )

ليه النخيل ساكت ؟

ومتشعبط ف غُصنه الجفافْ ،

والطير مهاجر فى زمان …..

مرْمِى ع الحطان

وف قلبهُ صوت قرفان …. !

تايه يا ليل الغلابه
ف الدّروب السودْ
منزوعة منك ملامحك
مسروقه من جِيبك

- آخر حروف الهويّه !

… …

ليه يا سواقى زمان
هربت م الميدان
ولْدِكْ ،
قوادِيسكْ ،
لفّتهم الغُربه ،
والغُربه رديّه وبير

- ملهاش كبير

… …

يا فجر ..

يا فجر يالّلى ساكن فى العالى بعيد
بأعلى صوتى بنده عليك
لجلن تبعتر خُيوطك ع السِّكك
وتصحى صوت الناس
وتزرع فى العيون

- غُنا وحماس !


حوار مع الشاعر محمود مغربى..


.


ميدل ايست اونلاين



الولد الفوضوي

محمود مغربي: الإنترنت إعجاز ولا حياة بلا امرأة

أجرى الحوار: عبدالرحمن سلامه

الشاعر محمود مغربي محمد حسن من مواليد فبراير 1962 بقنا بمصر، يكتب شعر الفصحى منذ أواخر السبعينيات ونشرت قصائده فى كثير من الدوريات الأدبية فى مصر وخارجها مثل: إبداع، الشعر، المجلة العربية، الحرس الوطنى، الشاهد، الثقافة العربية، البحرين الثقافية، الثقافة الجديدة، الرافد، المجلة الثقافية بالجامعة الأردنية. كما نشرت له صحف: الجمهورية، المساء، أخبار الأدب، الرأي العام الكويتية، الأسبوع… وغيرها، كما أذيعت قصائده فى إذاعات: البرنامج العام، الشباب والرياضة، البرنامج الثقافي، إذاعة دمشق، إذاعة القناة، إذاعة وتليفزيون جنوب الصعيد، القناة الثقافية بالتلفزيون المصري.

ويعمل مشرفاً على القسم الأدبي والثقافي بجريدة "صوت قنا"، ويشغل رئيس مجلس إدارة نادي الأدب والمستشار الثقافي بمحافظة قنا وعضو اتحاد كتاب مصر، وعضو الأمانة العامة لمؤتمر أدباء مصر.

وقال عنه الدكتور مجدي توفيق محمود مغربي شاعر مجيد، قدمَّ نفسه للقراء بديوانه السابق "أغنية الولد الفوضوي" فكان تقديماً ممتازاً دل على شاعر لغته غنائية فياضة بالشعور، وقد دلت كل كلمة من كلمات عنوان ديوانه على سمةٍ من سماته، دلت كلمة "أغنية" على نوع اللغة الشعرية التي يستخدمها، وهي لغة غنائية كما قلت لا تعول كثيراً على الحكي والسرد كما يعول عليهما كثير من الشعراء المعاصرين.

ودلت كلمة "الولد" على نظرة الشاعر لذاته نظرة خاصة تناسبها كلمة الولد، ولعل القارئ قد لاحظ الطريقة التي يستخدم بها الناس هذه الكلمة، وهي طريقة تتراوح بها بين معنيين متناقضين، فهم يقللون من قيمة إنسان ما حين يسمونه بولد، وهم يشيرون إلى البطل العظيم بأنه "ولد"، والذات الشاعرة في الديوان السابق تشعر بعجزها شعوراً قوياً يناسبه المعنى الأول، وتحلم بالتغيير والثورة والمجتمع الأفضل، في الوقت نفسه، حلماً يناسبه المعنى الآخر ولا يزال المعنيان حاضران.

والشاعر محمود مغربي صاحب شخصية طيبة وإنسان اجتماعي يحب التواصل مع المبدعين العرب ولديه أحلامٌ كبيرة، وحتماً سترى النور لأنه يملك قلباً أكبر وكلمة صادقة ومعبرة، وهو يعتبر أن ليبيا هي بلده الأول، فكان هذا هو الحوار الأول معه عبر الصحف الليبية والمصافحة الأولى مع القراء في ليبيا.

- أنا سعيد جداً أن تجري معي هذا الحوار وسعيد أن أصافح القارئ الليبي وأتمنى أن نقضي معا وقتاً لطيفاً في حضرة الشعر ومشواره وكلماته.

* بداية لماذا يكتب محمود مغربي؟

- الكتابة هى الفعل الحقيقي ضد الموت .. ضد الفناء, بالكتابة أسماء عديدة رحلت ومازالت تعيش بيننا, الكتابة هى الفعل الخلاق وجدير بأن نضحي كثيراً من أجله.

* هل لديك طقوس معينة للكتابة؟

- طقوسي هي محاولة حميمة لشخبطة هذا البياض لتخرج القصيدة التي وحدها تدخل الفرح لقلبي وتحاول أن تقول للآخرين شيئا.

ودائما أرى بأن كل ما هو يحركني, يهزني بشكل تلقائي وعنيف هو دافع حقيقي للكتابة, للبناء, لذا أعتقد بأن علينا أن نفتش عما يبهرنا ويهزنا من أجل أن نعيش فى كنف الكتابة وتجلياتها الخصوصية.

* البداية كيف تراها رغم مرور السنوات والمتغيرات؟

- البدايات دائما لها روافد وقنوات مختلفة، يمكنني القول بأن بدايتي تجلت فى مشاركتي لجماعة "رباب الأدبية" عام 1980 والتي كان يشرف عليها الشاعر أمجد ريان في فترة وجوده فى محافظة قنا بصعيد مصر, وجودي واحتكاكي بكل أفراد هذه الجماعة أضاف وفتح الكثير من النوافذ الهامة, في هذا المناخ تعرفت عن قرب على إبداعات الكبار أدونيس وسعدي يوسف وعبدالمعطى حجازي والبياتى وصلاح عبدالصبور والسياب وأمل دنقل والأبنودى وغيرهم.

كل هذا أضاف لي الكثير وفتح أمامي نوافذ جديدة لأول مرة, عرفت بأن هناك شعراً مختلفاً غير ما درسناه فى المراحل الدراسية المختلفة وجعلني أدرك مبكرا تطورات القصيدة العربية عبر مسيرة أجيالها.

وهناك أيضا أشخاص أدين لهم بالفضل أذكر منهم الشاعر أمجد ريان أول مستمع حقيقي لما أكتبه ووجهني كثيرا, وهناك أيضا الروائي يوسف القعيد الذي شجعني بحماس فى أول زيارة له لصعيد مصر في عام 1980, ومن مبدعي الصعيد الرواد لنا في هذه الفترة سيد عبدالعاطي, عطية حسن, والأديب الشامل محمد نصر يس ومحمد عبده القرافي وغيرهم. كما يظل لثراء المكان عطاءات لا حدود لها من خلال الموروث الشعبي والسيرة الهلالية والمنشد الشعبي في الموالد الشعبية ذات الثراء المدهش والغني، كل هذا شكل الكثير في بداياتي.

* ما هو صدى "أغنية الولد الفوضوي" مجموعتك الشعرية الأولى؟

- "أغنية الولد الفوضوي" هو جواز مروري الحقيقي لعالم الشعر الغني والداهش والسحري. لقد صدرت المجموعة عن سلسلة الكتاب الأول بالمجلس الأعلى للثقافة المصرية 1998 ووجدت صدى طيبا جدا في الصحف والمجلات، فقد تمت مناقشتها في فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب ضمن برنامج المقهى الثقافي, ونوقشت في أبحاث مؤتمر أدباء مصر من خلال الناقد الدكتور مجدي توفيق, كما نوقشت في دراسات موسعة في المجلات والصحف المصرية من أهمها دراسة تحت عنوان "الحداثة النقيض في شعر محمود مغربي" للأديب والناقد عبدالجواد خفاجي وكتب عنها آخرون أمثال فتحي عبدالسميع ومحمود الأزهري وغيرهم.

* كيف ترى شبكة الإنترنت، وهل أثرت على جودة ووجود الإبداع؟

- شبكة الإنترنت هي بصدق إعجاز العصر الحديث الذي توفر لكل الناس, من خلالها أعتقد بأن الإبداع أصبح أكثر رواجا وفتحت أمامه الأبواب المغلقة وكسر الحواجز هنا وهناك يعني أن الشبكة لها فضل كبير على حركة النشر والتواصل بين الكتاب والقراء وبين الكتاب وبعضهم البعض، هي لها جهد خارق في تواصلنا مع كتابات الآخر، في كل بقاع المعمورة, إذن نحن مع شيء سحري يدهشنا ويقدم الجديد كل يوم ويظهر لنا الجديد في كل المجالات، وعلينا أن نعلم جيدا بأن فتح النوافذ والشبابيك والأبواب خير من إغلاقها, فتح النوافذ يعني الضوء والنور والهواء الصحي و و و و و و و ولنطمئن بأن الإبداع الحقيقي سوف يبقى ويصمد لأنه حقيقي أما المزيف سوف يندثر تماما, التاريخ والأيام تغربل كل شيء وتضعه في مكانه الحقيقي الذي يستحقه.

* كيف ترى المشهد الثقافي العربي؟

- المشهد الثقافي العربي يحاول أن يلحق بركب الثقافة العالمية رغم الفوارق بيننا وبينهم. إن الأديب العربي يجتهد كثيرا وها هي إرهاصات جيدة وطيبة أراها في وجود الأدب العربي على خريطة المشهد العالمي، لقد بدأ العالم والقارئ يرى الإبداع العربي عن قرب من خلال نوافذ عديدة منها شبكة الانترنت والترجمة وغيرها.

المشهد الآن داخليا يحتاج إلى التكاتف الخلاق والتعاون البهي من أجل أن يلتحم المشرق العربي بالمغرب, مازالت هناك فجوات وفوالق علينا أن نزيلها لنلتحم جميعا وليخرج الصوت قويا ومؤثرا, وعلى الدول والحكومات أن تدرك جيدا بأن المثقف العربي المبدع هو ثروة قومية يجب الحفاظ عليها لأنها بلا ثقافة حقيقية تفقد جناحا مهماً ولن تستطيع الطيران والتحليق إلى فضاء التقدم بدونه.


* ما دور الكاتب العربي حيال القضايا العربية الراهنة؟

- على الكاتب ألا يقف متفرجا بل عليه المشاركة وهناك أسماء عديدة شاركت بقوة في قضايا الأمة العربية وتبنت أفكاراً هامة، كانت لها دوراً حقيقياً وفاعلاً, وفي الوقت نفسه على الدول والحكومات العربية أن تهيئ المناخ السليم من المشاركة الحقيقية والتعددية والبعد عن وجهة النظر الأحادية, لابد من فتح النوافذ والشبابيك والأبواب لينخرط الكاتب العربي أكثر وأكثر.

* لك بعض المشاركات في المجلات الليبية, كيف ترى المشهد الثقافي الليبي من خلال قراءاتك واحتكاكك ببعض كتاب ليبيا؟

- تظل الجماهيرية الليبية منذ كنا صغارا الجارة الشقيقة والجارة الحميمة وأهالينا من عملوا في ليبيا قدموا صورة جيدة في معظمها, دائما أتابع إصدارات الدول العربية لأقف على الجديد هناك، وأتواصل مع الكتاب والكتابة والفعل الثقافي هنا وهناك، ولقد استطاعت بعض المجلات والصحف أن تكون خير سفير, على سبيل المثال مجلة "الثقافة العربية" التي نشرت فيها عشرات القصائد قدمت لي بانوراما عن الشعر والقصة في ليبيا، وغيرها من الصحف الرسمية, كما استطاعت إصدارات الأدباء والشعراء ووجودهم في معرض القاهرة الدولي للكتاب سنويا أن يقدم ملمحاً كبيراً من المشهد.

* لمن يقرأ محمود مغربي؟

- أقرا كثيراً بطرق وقنوات مختلفة مثلا عن طريق شبكة المعلومات الدولية عرفت الكثير من الأسماء الجديدة التي تشارك فى الفعل الثقافي العربي، وعن طريق الإصدارات الورقية هناك الكثير من الأسماء التي أتابعها عن قرب وأتفاعل معها أيضا. مازلت أقرأ الكثير من خلال تأملي اليومي للحياة والعالم من حولنا، أيضاً مازال للرواد حضورهم في ذاكرتي، مازلت أحن إلى أشعار أمل دنقل, نزار قباني, صلاح عبدالصبور, عبدالمعطي حجازي, بدر شاكر السياب. البياتي, الفيتوري, نازك الملائكة, محمود درويش, سميح القاسم, سعدي يوسف, محمد بنيس, محمد الماغوط, محمد شكري, الطاهر وطار، والحميم بهاء طاهر, قاسم حداد, إبراهيم الكوني, إبراهيم الفقيه, الطيب صالح، وغيرهم، ومن أبناء جيلي عشرات الأسماء منها فارس خضر, أحمد المريخي, فتحي عبدالسميع, عزيز بومهدي.

* كيف ترى تجربتك الشعرية إلى الآن؟

- تجربتي الشعرية هي محاولة مخلصة للبحث والتأمل، هي محاولة مخلصة من أجل الخير والعدل والحق، هى محاولة من أجل أن أعيش في كنف المعرفة وشقائها المحبب، تجربتي أتركها لغيري يقيمها.

* ماذا تمثل المرأة في حياة محمود مغربي؟

- لن أسرد كثيرا فقط أقول (الحياة بلا امرأة صحراء).

أنا لا أ تخيل حياة بلا امرأة، والمرأة هي جزء أصيل وجوهري في الحياة.

* وكيف ترى المسابقات الشعرية على الفضائيات؟

- المسابقات الشعرية التي تعرض على الفضائيات لا أشارك فيها حقيقة ولكن لا أرفضها هي فرصة جيدة للجمهور ليتعرف على الشعر والشعراء، ويقترب أكثر من الشعر ليخرج الشاعر من عزلته وقوقعته ليصبح نجماً ينافس نجوم السينما والمسلسلات وكرة القدم. جميل أن يتحول الشعر في جانب منه إلى الفرجة والمشاهدة إلى التنفس كل هذا صحي ودليل على أن الشعر مازال موجوداً ومؤثراً في حياة الناس.

* ماذا تعنى لك الكلمات الآتية: الشعر - الحياة – الحب؟

- (الشعر) هو جوهر حياتي، بدونه أصبح فقيراً وإن امتلكت كنوز الأرض، بالشعر الحياة تحتمل, وبدونه أنا شيء هامشي, محدود, بالشعر أتصالح مع نفسي والعالم, الشعر يعنى البحث عن الجمال في كل صوره, عن الخير والعدل والجمال.

(الحياة) تعني العطاء، المشاركة، البناء.

(الحب) هو كل شيء ولولاه ما وجدت الأشياء على الأرض، ما وجد الإنسان, بالحب يحيا الإنسان، وبالحب حتما يعيش وبغيره هو الخسران المبين.

* حصلت على جوائز أدبية حدثنا عنها وهل هى محفزة للأديب ومفعلة للمشهد الثقافي؟

- فعلا حصلت على جائزة أخبار الأدب 1995، وجائزة هيئة قصور الثقافة، وكرمت من هيئات عديدة من أهمها هيئة قصور الثقافة وجامعات مصرية مثل جامعة جنوب الوادي وغيرها.

فعلا الجوائز والتكريم محفز للأديب والشاعر ويجعله يدرك قيمة ما يقدم ويشعره بأهمية نفسه ونتاجه الإبداعي والمبدع في حاجة إلى هذا حتى لا يقتله الإهمال والنكران. والجوائز والمسابقات محفز ومنشط للواقع الثقافي طاما كانت لخدمة الثقافة والمبدعين بعيدا عن الأهواء والمصالح الشخصية والبزنس وما شابه.

* ما قضيتك الأولى؟

- قضيتي الأولى هي دائما تنصب في الخير والعدل والحق هي كل هؤلاء.

* ما الصعوبات التي تقف أمام الكاتب العربي؟

- مازال الأديب في عالمنا العربي يشعر بالغربة، يحتاج إلى فضاء رحب، وإلى اهتمام أكبر ليشعر بقيمة ذاته, ذات المبدع والفنان دائماً متضخمة تحتاج إلى رعاية خاصة ليستمر العطاء, مازلنا في حاجة إلى أن يتسع هامش الحرية أكثر وأكثر وأكثر. مازال حلم العربي أن يرى كتابه وإبداعه في كل مكان ولن يحدث هذا إلا بمزيد من الحريات على كافة الأصعدة.

* كيف تأتي القصيدة للشاعر محمود مغربي؟

- والله يا صديقي لو عرفت السر لكتبت في كل يوم عشرات القصائد, الكتابة في حد ذاتها سر خصوصي, هي هبة من هبات الخالق ولا أدرك كنهها. تأتي القصيدة بغتة وتلقي بنفسها في حجري كطفل جامح أتلقفها بفرحة خصوصية وأقيم لها عرساً خصوصاً. نعم لها إرهاصات ومقدمات استشرفها وأكون المهيأ لكل هذا البهاء.

لمولد القصيدة سحر، جئت لعالمي هذا لأبحث عن السحر، والقصيدة هى الخلاص، وجئت أيضاً لأبحث عن الخلاص.

* ما جديد محمود مغربي؟

- الجديد عندي أعد لإصدار مجموعتي الشعرية الرابعة، وكذلك إصدار كتاب تحت عنوان "صفحات من كتاب العشق" مجموعة من الخواطر الشعرية التي وجدت لها قبولا كبيراً عند القراء يدفعني لأن أخرجها في كتاب، والجديد أيضاً انتهاء دورتي في رئاسة مجلس إدارة نادي الأدب المركزي لمحافظة قنا ومهامه الصعبة، وهذا سوف يوفر الكثير من الجهد لأعيد الكثير إلى محمود مغربي، والجديد كذلك تفاعلي بشكل حقيقي مع الأدباء والمبدعين والأدب والفنون عبر شبكة الإنترنت، وقد أنشأت لي موقعا هو:

www.magrapy2007.jeeran.com

يشاهده المئات يوميا وأكثر من مدونة, بالإضافة لمشاركاتي في المنتديات الأدبية على شبكة الإنترنت وتعرفي على الجديد في كثير من بلدان العالم.

* كلمة أخيرة

أشكرك جزيلاً على هذا الحوار وتحياتي لكل المبدعين الليبيين ومزيداً من الألق والتألق والسؤدد.

عبدالرحمن سلامة ـ ليبيا

الحداثة النقيض فى شعر محمود مغربى.. بقلم عبدالجواد خفاجى

الحداثة النقيض
وأهم ملامح تجربة
(محمود مغربي) الفنية


دراسة

: عبد الجواد خفاجي



يبدو أن أعتراض الدكتور سيد البحراوي له بعض الوجاهة عندما سخر من خانة الحداثة أو الحساسية الجديدة التي تصدر الأوامر النقدية بالترقية إليها أو الحرمان منها، فلا أحد يعرف ما هي الدرجة الصحيحة من عدم اليقين أو الشك أو الشعور بالغربة أو الإحباط التي تجعل قصيدة ما حداثية أو تنتمي إلى الحساسية الجديدة في مقرها المركزي بمكتب هذا الناقد أو ذاك.(1)
والوجاهة نابعة أصلا من الفهم والوعي الكامنين في الاعتراض بهذا المصطلح القديم الفارغ نوعًا المسمى "الحداثة" فليس في الحداثة مركزية، حتى لو افترضنا أن الحداثة أصبحت بمثابة العقيدة بالنسبة لهؤلاء(2) فإنه ليس من مهمة الأدب أن يوصل تلك المعتقدات بصورة مباشرة॥ إن الملكية الخاصة متراس الحرية، كما أن مهمة الأدب هي نقل الحقائق اللازمانية، وربما بهذا يمكنه أن يغذي في الجماهير روح التسامح والكرم وبذلك يضمن بقاء ملكيته الخاصة।

ليس غريبًا في سيادة مفاهيم التعصب أن يتحول محطم الأصنام إلى صنم جديد! ، ويبدو أننا يجب أن نعترف ـ دون أن نستسلم ـ بمركزية النقد عندنا رغم أن الحداثة ـ كمفاهيم ـ ضد المركزية بشكل عام، بما فيها مركزية التراث أو حتى مركزية المفاهيم الحداثية.
إن مركزية النقد عندنا ساهمت في انحصار مفهوم الحداثة أو مفاهيمها عند دائرة المركز، أو المراكز الثقافية التي ظلت ومازالت تمارس سطوتها على الأطراف . ومن ثم اصطبغ النتاج الشعري الحداثي بصبغة واحدة ومن ثم ضاقت مساحة "الحداثات" المفترضة لتصبح مجرد "حداثة" متحققة هنا أو هناك. وأرى أن هذه المركزية جزء من هيمنة الخطاب الثقافي للمدينة العربية (المركز) على أطراف الخريطة التابعة لها.
ومن ثم فإن نظرتنا النقدية في النصوص الحداثية يجب أن تكون متجاوزة لهذه المركزية بما يسمح بتجاوب أصداء الحداثات في كل أطراف الخريطة الإبداعية دون أن نقيم اشتراطات معينة للحداثة، إذ أن الإبداع متجاوب بالضرورة مع ملامح مكانه وزمانه بل ومع الخلفية الحضارية والاجتماعية له.
ومن ثم فإن بريقاً من الوهم قد يدفع كثيرًا من مبدعي الأقاليم إلى ركوب حمارهم الحديدي للوصول إلى دائرة المركز بحثاً عن ترقية ما إلى مركز الحداثة.. إن عملاً كهذا لا يعد من الحداثة في شيء.
في جنوب مصر حداثة موازية نقيض، تنبع أساساً من اعترافها بأنها ترتبط بمناطق الطرد وكذلك تعترف بالحكم الصادر ضدها من المركز بالطرد؛ ومن ثم فإنها حداثة الطرد.. لديها اكتفاؤها الذاتي ولا تسعى إلى استيراد المفاهيم والقيم.. كما أنها تأبى أن تتلبس بشكلية ما غير شكليتها في الوقت الذى تعترف فيه بأصالة معدنها.
حداثة توازن بين أصالتها ومعاصرتها دون أن يزعجها أو يقلقها العصر الآلي أو ملامح المدينة المتشابكة. ومن ثم فهي تطرد عن حقولها هاجس الحداثة المركزي، دون أن تنكفئ على ذاتها فليس في الأمر ما يؤسف، لقد مارسنا دورنا الحضاري يوم أن كانت دائرة المركز مقبرة لأمراء طيبة.. صدرنا الحضارة إلى العالم غير نادمين.
إن ما يؤسفنا حقاً أن المركز يستورد حداثته هارباً من ذاته ومن تاريخه ومن واقعه.. هاجراً الأرض التي لم يفلح في خلق توازنه عليها محلقاً في عالم وهمي مشفراً رسالته إلى الأرض الخراب ـ كما يراها ـ يحط فوق منعطفات لا تخصه؛ لينطلق منها إلى آفاق لا تخصنا.
محمود مغربي واحد من المهمومين بصنع حداثة الطرد في الجنوب، يمارس كامل حريته في مجاوزة كل ما لا يخص واقعة ومغايرة كل ألوان الخصوصية فيما عدا خصوصيته هو كمبدع.
في ديوانه "أغنية الولد الفوضوي" يؤكد مبدئيًا على ارتباط مشروعه الإبداعي بالجنوب وبملامح الحقول وبالأرض البراح.. يمارس عفوية الكتابة ويمتلك فطرية استخدام اللغة.. يميل إلى عدم الثرثرة الموقعة في دائرة "اللاشعري" ويميل إلى التكثيف اللفظي، دون أن يخنق نَفَس اللغة.. يستخدم "تيمات" شعرية بسيطة تشف عن دلالة استخدامها، وهى في معظمها إما تيمات تراثية أضفى عليها من خلال التناول صبغة عصرية، وإما تيمات جنوبية تشف عن وعيه بخصوصية التجربة وخصوصية الذات.
ورغم توفر القاموس الرومانسي في أشعاره ورغم مسحه الحزن الشفيفة التي تغلف أشعاره إلا أنه ومن خلال وعيه بدرامية الواقع ومفارقاته.. وأمام اتساع نظرته إلى الحياة وارتباط تجربته بهموم الإنسان الجنوبي خاصة والمصري والعربي بصفة عامة.. من خلال ذلك وأمام هذا تتمنع تجربة محمود مغربي عن التحليق في الأفق الرومانسي الحالم مؤثراً التغلغل في هموم الذات والواقع مداخلاً له وراصداً لشبكة العلاقات وردود الأفعال المتبادلة بين الذات والواقع دون أن يفصل بين الذات والموضوع.
ولنا أن نتوقف في تجربة محمود مغربي عند ثلاثة ملامح أساسية:
أولاً: الوعي باللغة وخصوصية استخدامها
يؤكد محمود مغربي على خصوصيته في استخدام ألفاظ مألوفة تمامًا وبسيطة، ثم يرتفع بها إلى مستوى الإبداع الشعري المدهش، ليثبت بذلك أن ثمة وعي باللغة لديه، وأنه على مستوى هذا التحدي الأساسي الذي يواجه المبدع عامة.
فمما لا شك أن الإبداع باللغة مغامرة شديدة التركيب والتعقيد وهو نفسه الذى يمنحناـ من خلال القدرة على التشكيل باللغة ـ سمة التمايز والتفرد والاختلاف "ويظل بعض ناقصي الخبرة قابعين مندهشين ما بين اللغة العامة المبذولة في المعجم والقاموس والنص الأدبي وعلى ألسنة الناس من ناحية واللغة التي يتفجر بها عمل إبداعي جديدة وكأنها ليست من هذه اللغة المألوفة في شيء، لكن ارتفاع هذه اللغة المألوفة والمبذولة إلى مستوى الإبداع الشعري يظل تحديًا أساسياً يواجه المبدع، وعملية يتداخل فيها الوعي واللاوعي الإنساني، ومخزون الخبرة الحضارية المكتسبة وطبيعة اللغة نفسها"(3) ولأن الفضيلة ـ كما قال الأقدمون ـ ليست في اللفظ ذاته فإن الفضيلة تبقى في الكيفية التي تم بها التوليف بين هذه الألفاظ والعملية الانتقائية التي مارسها الشاعر للإنشاء اللفظي والموقف الشعري الذى مورست فيه هذه التراكيب اللفظية المتعالقة.
ولنرى كيف استطاع محمود مغربي التوليف بين مفردات:"دمعة ـ جفن ـ غيمة ـ رشرش ـ الحديث ـ ساعة ـ فتش ـ الطريق ـ الندى ـ الأبواب ـ نطق ـ نخز ـ كَوَّر ـ السكوت ـ الأفق ـ لاح ـ قتامة".
وهى مفردات في مجملها مألوفة ومبذولة وتجري على السنة العامة والخاصة.. استطاع أن يخلق منها صورة شعرية على النحو التالي:


تلوح في قتامة الأفق
كدمعة في جفن غيمة
ترشرش الحديث ساعة
وساعة تفتش الطريق..
تكور الندى
تستنطق الأبواب
(تـنخر السكوت ص7)


وقبل أن نعي الموقف الشعري الذى وُظِّفت فيه هذه الصورة أو حتى الخلفية الشعورية وقبل البحث عن الدلالة في ضوئهما، فإننا ندرك أن ثمة براعة ما على مستوى التوليف والانتقاء في الجمع بين "دمعة،غيمة" وفى الربط بين "ساعة، وساعة" وبين توالي وتوازي"تلوح، تكور، تفتش، تنخر" وكذا" ترشرش، تستنطق "وكذا" تفتش، ترشرش".
هذا الجمع والتوليف والترتيب والتوازي على النحو المطروح يغلف الصورة بنوع خفي جميل هادئ من الموسيقى نابعة من التناسق ومن تساوى المقاطع الصوتية ومن مراعاة النبر والوقف هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى ثمة مفارقية مدهشة على مستوى المجاز ناتجة عن إحلال الغيمة محل الكائن الحي الذى يدمع وتسيل من جفنيه الدموع.. إضافة إلى أن الكلمتين أساساً متباعدتان في الواقع، هذا وبصرف النظر عن دلالة الغيمة أو الدمعة وبصرف النظر عن دلالة الجمع بينهما.
وثمة إيحاءات بالصمت والسكون والهدوء، وثمة إيحاءات بحركة أنثوية رشيقة لتحريك هذا السكون وثمة أفعال مضارعة تشي بالحركة والاستمرارية وثمة قفلة نهائية "التاء الساكنة" بما يناسب المشهد الساكت.
أما لو خرجنا بكل ذلك من إطار المكونات الشكلية إلى إطار أبعادها الدلالية داخل السياق الشعري وفى ضوء الصورة الكلية للنص وتأملنا هذه الدلالة في ضوء اللوحة الخلفية الشعورية للنص لأمكننا استشعار الجو الشعري والموقف الفكري والعاطفي، ومن ثم لأمكننا تتبع رؤيته في أعماقها، وبهذا تصبح مثل هذه الصورة المطروحة مجالاً للإفاضة وهكذا تكون الصورة قادرة على ربطنا بما هو أبعد من تمظهرها الفيزيقي. وما هو أجمل من إيقاعها الظاهري، ولتجاوزنا معها حواسنا تماماً وانشغلنا باستكناه الرؤية والمشاعر ولودعنا الخارجي إلى ما هو فضاء داخلي متسع.
أما والصورة السابقة مجتثة من سياق قصيدة "تعتلى الطريق" وهى مهداة إلى روح الشهيدة (سناء محيدلي) الفتاة اللبنانية التي قامت بعملية انتحارية في معسكر الجنود الأمريكان في بيروت عام 1984.. ندرك بداية من العنوان أن الشهداء أحياء عند ربهم وكذا عند الشاعر أيضًا، لا تزال في مخيلته يراها حية تعتلي الطريق.. يراها في صورة كل امرأة عربية تعتلي طريق الكفاح والنضال. وعلى وجه آخر أكثر عمقاً هو يرى أن بطولة سناء محيدلي فوق الموت، وفعلها المضني حرَّك السكوت على قضية لبنان في ذلك الوقت، واستنطق الصمت الذى كان يغلف المكان ويستبيح التواجد الأجنبي المسلح في لبنان.
ومن ثم فإن الخلفية الشعرية للنص ترتبط بشكل ما بخيوط الواقع وبذاكرة الشاعر في آن …الواقع المعبأ بالتبجحات الأجنبية والموات العربي في المقابل، ومن ثم الضياع والشتات والصمت الغربي إزاء هذا التبجح الصهيوني والإمبريالي في المنطقة.. وذاكرة الشاعر المضخمة بمخزون لا بأس به من تراكمات الأخبار والمشاهد الانهزامية والتراخي العربي وفى المقابل من ذلك البطولات الفردية والتشكيلات العصابية والتمردات التي تحدث هنا وهناك لتكسر حدة الصمت ولو لفترة وجيزة.
ولعل الخلفية هذه هي نفسها المسيطرة على الصورة في قصيدة "تساؤلات في زمن الردة".


كيف لي..
أن أهيئ هذي البلاد لعرس بهي ؟
قالها طفل هذا الجليل..
قلت: كيف التهيؤ
والعرب الأقربون
والعرب الأبعدون
وما بين بين..
سرجوا خيلهم خِلسةً
تاركين المخيم والجرح
تحت الهجير..
بين فكي حصار!"
صـ10
وفى موضع آخر:
والسماء تفتح قمصانها
للطيور الجوارح
هذي الطيور تجهز مصطبة للتواريخ
مأدبة للفتوحات
أغنية للسيوف القواطع!
كيف نسرب هذا المدد
والعواصف مستيقظة
تحت رمل الحدود!
كيف ننشل هذا الوطن؟
والرجال قعود!
صـ11


وفى قصيدة "بشارة" يغلف وعيُ الشاعر التجربةَ، فيعرض لتاريخ الحجر وكيف كان قدس الأقداس، وصنماً للتعبد، وها هو الآن في يد الأطفال ينفلق، لا ليخرج منه الماء وإنما ليخرج جيشاً وأبابيل للثورة والخلاص، والبشارة.
نخلص إلى أن ذاكرة الشاعر مستوعبة القضايا المعاصرة، والتاريخ، وفى إطار هذا الوعي تتحرك المشاهد الشعرية في قصائده صانعة حركة الصور الجزئية الدالة في عمق التجربة.
وعود إلى الصورة التي حددناها أولا.. حيث يبدأ المشهد الشعري حركته بفعل الرؤية "رأيتها" بصيغة الماضي والمتعلق بالضمير المؤنث "ها" هكذا ودون تهيؤ تبدأ القصيدة: "رأيتها" مما يوحى بأن الشاعر عندما ودع ذاته الباصرة إلى ذاته الشاعرة كان مراقباً متأملاً مسرح الحياة، إلى أن ظهرت "سناء محيدلي" فجأة.. ظهرت له لتبدل غيابها حضوراً فذاً.
وهكذا الشاعر يوفر الكثير على القارئ لشعره، إذا يستغنى عن الكثير من الأحداث والتفصيلات غير المهمة ليدخل به عنوة إلى قلب المشهد الشعري:


رأيتها تمر…
تخاطب الجموع
وتارة تخاطب الطلول والمدى
تلوح في قتامة الأفق
كدمعة في جفن غيمة
ترشرش الحديث ساعةً
وساعةً تفتش الطريق..
ص7


وفى هذا الإطار يتحقق وجود "سناء محيدلي" باعتلاء الطريق داخل المشهد الشعري، بيد أنها وفى حدود الدلالات الكلية للقصيدة موجودة على سبيل المجاز في المخيلة العربية وفيما أحدثته من أصداء متجاوبة حول الحدث. وموجودة ميتافيزيقيا كشهيدة حيَّة في عالمها العلوي الجميل، وموجودة ضمنيًا في صورة المرأة العربية التي تنهج وتعتنق البطولة والفداء. ولنا أن نتأمل كلمة "تعتلي" الطريق.. الاعتلاءـ كقيمة ـ صعود في المكان تعطي دلالتها في علو الشأن، والطريق يعطي دلالته في مسيرة الحياة ومن ثم فإن ما فعلته دلالتها سناء محيدلي لم يؤد بها إلا إلى علو شأنها في الحياة.
ومن هنا فإن الموت وهو النقيض للحياة يصبح قيمة حياتية عظمى إذا كان على شاكلة موت سناء محيدلي ومن هنا نلمح تمجيد الشاعر للبطولة والفداء.
غير أن سناء محيدلي داخل المشهد الشعري قادمة لتوها في مهمة ليست استثنائية.. هي عائدة لتكمل مسيرتها..لتعيد ما فعلته مرة أخرى.. لتحرك السكوت بشكل ما.
وهكذا يرى الشاعر أن الذى مضى لا يزال حاضرًا ماثلاً، ومن ثم تبدأ ذاكرته رصد الحادثة من جديد وهكذا أيضًا تعجن مخيلته الأزمنة، وهى تُدْخِل الماضي في الحاضر مستبدلة بذلك الواقع المقرف بواقع مغاير جديد.
والمهمة غير الاستثنائية التي عادت سناء محيدلي من أجلها هي إعادة ما فعلته مرة أخرى وفق رؤية الشاعر الجديدة.. وهكذا هو الشاعر يتمنى ويحلم بعودة سناء محيدلي أو بالمعنى:عودة البطولة وحب الشهادة إلى مشهد السكوت العربي، وهكذا يتجسد المشهد من جديد في مخيلة الشاعر في صورة جديدة فما حدث في الواقع من قنبلة ولغم وسيارة واقتحام وتفجير، كل هذا يتحول في واقع داخلي آخر إلى مجرد مخاطبات ووشوشات وتفتيش هامس، واستنطاق للأبواب ونخر للسكوت، كل ذلك بلغة هامسة رقيقة تناسب وطبيعة سناء محيدلي النسائية.
ومن هنا نرى أن أفعال الأنوثة الرقيقة الهامسة الناعمة داخل المشهد الشعري مناسبة تماماً بيد أنها مفارقة للواقع، إن ما قامت به سناء محيدلي من اقتحام وتفجير واستشهاد بطولي لا يدل على نعومة أو رقة.. ومن خلال هذه المفارقية بين الواقع وبين عالم المخيلة يتوالد الاستخدام الشعري للغة وتتوالد الشاعرية التي تجاوز فظاعة الواقع وغرائبيته ومفارقاته وقتامته إلى طقس آخر جميل مصنوع لتوه من أجل سناء محيدلي القادمة في مهمة غير استثنائية
وبهذا يتجاوز الشاعر (قتامة الأفق) إلى بياض "الغيمة" ويهبط بسناء محيدلي إلى الأرض الساكتة كي تفتش الطريق الذى أصبح خالياً من البشر أو بالمعنى الأوسع/البطولات العربية.. وتبدأ سناء محيدلي بتكوير الندى.. هي تتلهى بالحفاظ على الندى كقيمة حياتية وإن كانت مفردة (الندى) توحي بالبرودة واختفاء الحرارة بما يؤكد نظرة الشاعر ورؤيته لواقعه العربي البليد النائم في دفء وهمه تاركاً البرودة تقتحم المكان، أو بالمعنى الأوسع: موت البطولة.. وهكذا تصبح مفردة "الندى" خادمة في موضعها وتصبح لها قيمة دلالية وإيحائية وهَّاجة وهكذا يخدم الشاعر اللغة في الوقت الذى يستخدمها فيه.
وهكذا تتجاوز الكلمات دلالاتها الوضعية أو المعجمية إلى دلالات شعرية خاصة؛ ليصبح الفعل "تستنطق" كبحث عن الصوت بحثًا عن حل للقضية، كما تعطى مفردة "السكوت" دلالتها في الجبن والتراخي والاستسلام.
وهكذا… وإن شئنا أن نكتفي من القصيدة بهذه الجزئية التي حددناها فإننا ـ ونحن في بداية القصيدة ـ ندرك إلى أي مدى تتوالد الدلالات الشعرية وتتسع.
وندرك أن ثمة وعي باللغة لدى الشاعر قادر على خلق الانسجام المطلوب بين اللغة من جهة والطقس الداخلي في جوانيات الشاعر من جهة أخرى، وندرك إلى أي مدى تتميز خصوصية الشاعر في استخدام هذه المفردات دون غيرها ليتجاوز بها الشاعر واقعه دون أن يغفله ويجتازه دون أن يبرحه.
إن الذات الشاعرة التي تسعى في الأساس إلى مجاورة الواقع أو مراوحته بواقع آخر شعري هي نفسها التي تسعى إلى مجاوزة دلالة اللغة الوضعية إلى دلالة خاصة جديدة.. ومن ثم فإن وعي الشاعر بالحياة والكون والواقع هو نفسه ـ وعلى نفس المستوى ـ وعي باللغة وباستخداماتها، وكلما كان الشاعر مجاوزاً على مستوى الواقع واللغة كلما كان متمايزاً وكلما كان شاعرياً بصورة منفردة.
و الذات الشاعرة لا تسعى إلى المجاوزة في الأساس إلا لأن الواقع لم يعد مناسبًا لأن يفكر الشاعر فيه أو يتناوله بالطرق المعتادة؛ فأمام غرائبية الواقع وقرفه وتبجحه تتوالد معاناة الذات ومن ثم تسعى إلى هجر هذا الواقع؛ بحثاً عن عالم مخصوص قد يكون شعرياً وقد يكون مناسباً لأن تمارس فيه الذات التفكير، ومن ثم فالشاعر مفكر بالشعر إذا يخلق قصيدته.
إن قصيدة كهذه لابد أن تأتى درامية على نحو ما لأن الواقع المفارق كان درامياً أمامها، ومن ثم يحق للشاعر أن يمارس لعبة الجمع بين الأضداد والمتناقضات ويلم شعث الأشياء وشتاتها مثلما رأينا بين "دمعة وغيمة" و "الحديث والسكوت" و "الأفق والطريق".. يحول الأشياء إلى كلمات ويؤلف بينها ويحركها وفق معطيات جديدة وناموس مغاير، ورغبة مراوغة، كأن ينخر السكوت ويستنطق الأبواب الساكتة باحثاً عن الحياة مثبتًا للحركة نافياً الموات.
وهكذا تصبح حركية الأشياء دالة في رؤية الشاعر، مثلما قلنا إن وعيه باللغة هو نفسه وعيه بالحياة أو بالمعنى هو يلاحق بين الوعيين إذا ينتج قصيدته.
ولا أنفي بعد هذا أنني شريك مساهم في صنع الدلالة لكنما هي شراكة مؤسسة على وعي مشترك بيني وبين الوعي الشعري الكامن في النص.. بيد أن نجاح النص في أنه سمح لي بهذا الشراكة في الأساس، واجتذبني نحوها. بمظهره البسيط وكلماته المألوفة وسحره الخفي وهندسته المنمقة وتعالقاته البسيطة، وأوغل بي خلف كل هذا إلى عمق قد لا نصل إلى آخره.
ثانيا: الرومانسية المراوغة بين النصاعة والغموض:

النص الشعري الحداثي لا يعبأ برصد الواقع على علاته ولا يهتم بوصف ظاهره الفيزيقي كما أنه لا يسجل العلاقات بين الأشياء كما هي وإلا تحول النص الشعري إلى تاريخ، ومن ثم لا يحق لنا ـ وقتها ـ أن نبحث عن شعرية ما كامنة في النص حتى وإن بدت الصفة الأدبية بارزة.. فليس كل ما هو أدب يقال له شعر. والنص الشعري الجيد هو الذى يشف بملامح الواقع إذ ينعكس على مرآة الذات.. وعليه فإن هناك مساحة ما يبدأ عندها انعكاس الواقع على مرآة الذات وهى مساحة ليست مكانية فقط أو زمانية فقط.. إنها مساحة من تاريخ العلاقات بين الذات الشاعرة والواقع. لهذا يأتي الواقع بظلاله وخيالاته في النص، يتجسد بقدرة الشاعر على التخيل وبوعية باللغة. ومن ثم فصور القصيدة ليست فوتوغرافية أو طبوغرافية للواقع وإلا أصبحت وصفاً خارجيًا يخلو من تاريخ العلاقة ومن وعي الشاعر كما يخلو من ألمعية الشعر.
ومن ثم فإن تلقي النص أيضاً والاستجابة له مرهونان بقدرة المتلقي على التقاط الظلال والخيالات تلك في ضوء وعيه بالواقع دون أن يقع في اللبس، فإنما يحدث الالتباس على المتلقي عندما تكون مرآة الذات ضبابية أو غائمة أو معتمة أو متداخلة الصفات.. ولأن مرآة الشاعر المعاصر ليست دائماً لامعة، فإن جل الشعر الحداثى يأتي مشوباً بالتداخل والغموض.
محمود مغربي شاعر عاش حياته في براري الجنوب البكر، بعيداً عن تعقد الحياة وتشابك علاقاتها وبعيداً عن أي لهاث مادي أو خوف من الغد…لذلك أتت مرآة الذات صافية إلى حد كبير، لذلك تلقى قصائده استجابة من القراء، ولا أظن أن الشاعر الذى يوقعنا في اللبس أقل وطأة علينا من الواقع الملتبس.
إن "الحداثة النقيض" في جنوب مصر لا توقع جمهور الشعر في اللبس ولا تأتى متشحة بقطع الليل الداجي، ولا تتشكل في صور من أحجار المريخ.
ومن هنا فإن الصور الشعرية عند "محمود مغربي" تنتمي جميعها للجنوب.. إذ يتغلغل الجنوب بطقسه وحقوله ورمله وشواطئه وطيوره وسواقية وعاداته وأفراحه وأتراحه.. بكل ما هو يتغلغل في مسارب الذات، وفى مساحة الحلم؛ يهش كل الصور الأخرى التي قد تلوث هذا الوجود المخصوص.
ومن ثم تنتشر مفردات البيئة الجنوبية في القصائد.. تلونها بلون الطبيعة الجنوبية فنرى: "النخيل ـ الصهيل ـ الخيول ـ الكرم ـ النهر ـ الشط ـ الطير ـ الصفصاف ـ القبو ـ الفرح القروي ـ العرس البهي…إلخ".
وتتلاقح بشكل ما مع مفردات القاموس الرومانسي: "الصباح ـ المساء ـ الأمسيات ـ البراءة ـ الروح ـ الصبابة ـ العشق ـ الحدائق ـ العبير ـ المطر ـ الحنين ـ الفجر ـ الضياء ـ الحزن ـ الأنجم….الخ".
ومن ثم نلمس توظف مفردات الطبيعة في التشكيل الصُّوَري بكثرة، كما نلحظ التحام الذات بمثل هذه العناصر المنتمية للطبيعة:"المدى ـ قوس قزح ـ فضاء ـ كواكب ـ عواصف ـ كون ـ عتمة….إلخ".
صحيح أن "الحداثة "تحاول أن تتبرأ من رومانسية الشعر، لكنها في المقابل تمجد هجرة الذات كلية من الواقع في الوقت الذى تدعى فيه انغماسها في هذا الواقع.



الحداثة النقيض لا تتبرأ من تمسُّح الشاعر في الرومانسية، ذلك لأن الإنسان الجنوبي لا يزال رومانسيًا، لا يتخلى عن حزنه الشفيف ولا عن الالتحام بعناصر الطبيعة التي لا يزال يتعامل معها ويستخلص منها رزقه ويصنع منها سبل حياته.
محمود مغربي لا يتخلى عن حلمه الرومانسي ولا عن حزنه الشفيف ولا عن شجنه الجنوبي، وهو يداخل واقعه ويرسم العلاقات بينه وبين الذات.. وفى المقابل هو يمتاح تفاؤله ويهش أحزانه إذ يندغم في الوجود المجسد أمامه.. كما نرى في قصيدة:الغزالة ـ "الغزالة/خارجة من حقول الكآبة/داخلة في دلال الفصول/ فها هي تخلع ميقاتها/وتميل على شاطئي/تهمس/قد فاجأتني الزنابق/دست جمار التوهج في طالعي/ وفى أضلعي نقشت شدوها المستحم بصوت الشواديف/تهمس: /لا تبتئس".
وليس أدل على سمات الحداثة النقيض في الجنوب سوى ما جاء في قصيدة: "ساطعًا بالحكايا.. هكذا يخرج" "لمئذنة صادحة/طائر يستبين/طائر يختفي خلف جنح الكلام /حيث ذاك الفراغ/ويندس بين الوضوح/وحذر القتامة/يدور/يدور/ويعلن: /رايتي مفردة/ خلوتي في أقاصي البعيد البعيد/"وأنا أعلم/أنكم لن تروا وجهي"
وهكذا هي تجربة محمود مغربي تحافظ على تواجدها بين النصاعة والغموض، ومهما كان تمظهرها الفيزيقي في كلمات فهي بقدر ما تختفي بقدر ما تشف.. إنها الوسيطة المطلوبة والمراوغة الهادئة التي تحافظ على المتلقي من خلال حفاظها على مكتسباته وإن كانت تسمو به نحو منطقة تخلو من إسفاف الفن، أو تسطحه ولغوه، ولعل رصدنا على النحو السابق للملمح الرومانسي لتجربة محمود مغربي يجب ألا يفهم منه أنها تجربة منفصلة عن الواقع وأزمته، بل على العكس من ذلك هي منغمسة في أزمة الواقع التي تشكل بدورها أزمة الذات الشاعرة، وقد تكون أزمة الواقع المعاصر هي التي دفعت هذه التجربة إلى التمسح ببعض الملامح الرومانسية.
فليس أشق على الذات من وعيها بأنها مستلبة وأنها منفية وأن كل ما يربطها بالوطن المختزل في الشمال هو ذلك القطار الكسيح" فما عاد صوت العصافير/ يطربني في الصباح الندى/ فكل القصائد/ملغومة بالحنين المعنىَّ/.. وكل الأناشيد محض هباء! /أيها الفوضوي/ما زال بيني وبينك/ ما بين هذا الشمال/وذاك الجنوب/وهذا القطار الكسيح!" ص80 إنها ذات منفتحة على هموم الوطن بقدر ما أنها تستشعر نهايتها تحت وطأة همومها الخاصة..إنه الجرح المزدوج."للجرح../متسع ونافذتان/نافذة على وطني /وأخرى ترى بددي!" ص33.
وليس أشق على الذات من شعورها بأن ثمة خيانة كبرى تمت خلسة عبر مسارات التاريخ وأن ثمة عدالة مفتقدة كان من جراء فقدها نفي هذا الجزء الجميل، واختزل هذا الوطن في جزء شمالي منه.
هذا الشعور المسيطر لم يزد الذات إلا تمسكا بجنوبها ولم يزدها غير محاولة للإمساك بأصالتها :"وأغل صوب الجنوب/أفتش عن قُبَّرات/بأجسادهن يشيدن جسراً لهذا الفؤاد/و يطعمن شمس الظهيرة/يخبئن زغرودة لا تمل العطاء " وفى نفس القصيدة يقول: "وأجلوا فوانيس روحي.. أشيعها في الفضاء،/أشيعها في الحقول/ لكي تمنح الطير ميزان عدل/يعيد النشيد إلى ثغر عشاقه…"ص16.
ثالثاً: الصورة الشعرية ودلالاتها في عمق التجربة
النص الحداثي المركزي مشمول برؤية هروبية، إذ تفزع الذات هاربة إلى عالم وهمي جميل ترسل منه شفرات شعرية إلى الأرض الخراب ـ من وجهة نظر شاعرها ـ أو تنكفئ على ذاتها في لحظة حصارها ممارسة عزلتها وسخطها أو انفصامها.
إنها حداثة الإختانق والشتات والتشابك في آن.. تداخل العلاقات وتجاوزها.. حداثة العشوائيات التي تجرد الأشياء وجودها الذى يرهق أعصابها…تنام في حضن كوابيسها.. تميل إذا تصنع ثورتها إلى تحطيم الأشياء.
في جنوب مصر حداثة نقيض، ليس لديها ما تفرط فيه.. كل شيء عزيز.. ليست معنية أساساً بالثورات ولا بالزوابع التي تحدث في فناجين.. لا تلعن مولد الشمس ولا ثم شيء يرهقها.. إنها حداثة البراح والتأمل.. حداثة الدوحة ـ المزمار ـ الناي ـ إبداع الله في الكون ـ موسيقى الله ـ الشدو ـ الشعر ـ أساطير القبلية ـ حكايا الجدات ـ المصاطب ـ السمر ـ الشواطئ ـ نقاء السريرة ـ الصفاء ـ الغناء ـ الكون المفتوح ـ السماء ـ قيلولة الله ـ البراري ـ وهدة المساء ـ المراعى… وجود لا يلعن بعضه بعضاً، ينام في حضرة الملائكة.. توقظه هزة الأغصان، صوت الشواديف، نقر العصافير، صوت الله في قرآنه، هديل الحمام، التسابيح.
حداثة تمتلك واقعها وتسيطر عليه كما تمتلك أصالتها وتراثها تمتاح منهما شجاعة التجوال وهى تتخطى أو تجتاز مراحل نموها وتواجدها. تنمو بطيئة وفق متطلبات لحظتها ووفق مقتضى الضرورة.. ليس من ضرورة ملحة لديها غير امتلاك ذاتها وكرامتها.
حداثة ريانه لا تعرف الظمأ الروحي.. ثرية بذاتها وفنونها ومهما بدا أنها فقيرة.. إنه فقر مادي من منظور المدينة التي لا تهجس إلا بالخلاص من إسار سعارها المادى.
الذات الجنوبية هاجسها مختلف، لأن عذابها مختلف، ومعاناتها تختلف.. القبيلة ومهما تكن دالة في الأصالة والانتماء، إلا أنها مؤشر على الاتجاه الذى تهج نحوه الذات إذ تستشعر نفيها واختزالها، ومع ذلك فالقبيلة التي تولى وجهها شطر أجداث أجدادها تقف عثرة أمام حراك الذات الطموحة المتحركة وتقتل رخاوة الواقع كما تدهس شاعرية الوجود وتخدش وجه الألفة.
صرامة الجنوب أيضًا بمحدداته وتقاليده الراسخة، وأعرافه التي تتحفظ تجاه كل ملمح جديد للحياة.. يتضافر هذا مع شعور الذات بعزلتها واختزالها في وطنها الكبير، وأمام مشاهد الفقر والاهمال الشنيع على الأصعدة الخدمية والاجتماعية تنوء الذات الشاعرة الواعية بحملها، ودون أن تنفصم، ومن دون أن تعتزل أو تفر تمتشق نايها، تتعاطى جرعة الشجن، ثم وفى لحظة القسوة تعالج أحزانها بالغناء.
"الغناء" لازمة من لوازم الحياة في الجنوب.. كيف تُستقبل الصباحات بالغناء وكيف يندغم بصوت الشواديف وحفيف الصفصاف.. بل كيف يُستقبل المساء؟! كيف يفنن الجنوب أحزانه "بالعديد" والمواويل.. كيف يعالج أدواء نفسه بل كيف يصدح في لحظات الكدح بالغناء؟!
إن تيمة "الغناء" واشتقاقاتها ومرادفاتها لا يستغنى عنها شاعر جنوبي..الحداثة النقيض تعالج أحزانها بالغناء كما تستقبل أفراحها بالغناء.
لذلك تشيع في ديوان محمود مغربي تيمة "الغناء" بكثرة، سواء بلفظها أو بمرادفها أو باشتقاقها فنجد: النشيد، القصيدة، الأغنية، الغنوة، الأغنيات، زغرودة، الصدح، ترانيم، أغرودة….إلخ
وهكذا تعتنق الذات الغناء، لا تتلهى به أو تزيح به همها فحسب، بل لأن الغناء بالنسبة لها هو مشروعها الجميل الذى تحقق من خلاله كمالاتها، ومن ثم تسمو بالروح إلى آفاق سحرية.
ومن هنا ندرك أهمية الشعر/القصيدة/الغناء لدى محمود مغربي ومن ثم قيمة الكتابة الشعرية عنده… ليست القصيدة عنده مشروعًا استثنائيًا.. إنها عمل جوهري يلامس من خلاله جوهر الحياة.


تجئ جياد المواعيد جوعى
تشاكس صمتي
تهز حقولي..
يسَّاقط الرطب
وترحل..
عبر تخوم المدى
تفاجئ قلبي في لحظة
قد كساها النعاس
تسطر وهج المسافة
تهدهد
أغرودة للشرق المفاجئ في مقلتيها
ولا تستكين .
جياد المواعيد
تركض نحوي
تفتش..
عن رسمك المستبد
تخط على شفتيك
ترانيم بحر
عصيٍّ
وبعضًا من الصور الطازجة
ص50



وبجانب تيمة الغناء هذه تشيع تيمة أخرى تتصل بها دلاليا، إنها تيمة "الطير" وأجناسه كالعصافير والقبرات وما إلى ذلك، وهى تيمة ثرية تعطى دلالتها في المغني الجنوبي/المنشد/الشاعر ذاته/الشعراء جميعاً/أهل الجنوب..
تكلمي…
على الكآبة تستحي
ترحل عن نوافذنا الصغيرة
لما يا حبيبي
تُستفز العصافير؟
ـ رغم ذلك ـ تُدخل أسماءها في شقوق القصيدة
ص 60
وفى قصيدة أخرى:
وأوغل
صوب الجنوب
أفتش
عن قبراتٍ
بأجسادهم يشيدن جسراً
لهذا الفؤاد
ويطعمن شمس الظهيرة
يخبئن زغرودة لا تمل العطاء
ص 15
وفى قصيدة أخرى:
لمئذنة صادحة
طائر يستبين
طائر يختفي خلف جنح الكلام
هكذا يخرج
حيث ذاك الفراغ
ص 61.


ولعل تيمة الطير بعامة قديمة في الشعر العربي، ولقد التقطها الشعراء الحداثيون وتوسعوا في فك التيمة إلى جميع أجناس الطير "النوارس ـ القبرات ـ العصافير ـ الـ….الخ".
بيد أننا في ديوان محمود مغربي نلمح جنساً وافداً لتوه على الاستخدام الحداثى للتيمة إنه
"الغراب".. الغراب الطائر الذي ارتبط في تراثنا الإسلامي بأنه أول من علم ولد آدم كيف يواري جثة أخيه، هو معلِّم إذن، وإن بدا أنه رسول العناية الإلهية في اللحظة ذاتها.
"الغراب…
اعتلى ربوة في الجحيم
وأفلت ناياً
بحجم الخرافة
ص20



وإن كنت أود التوقف عند هذه الصورة لنرى إلى أي مدى هي الصورة الشعرية دالة في عمق التجربة عند محمود مغربي.
في هذه الصورة قام الغراب/ الشاعر "إذ تتماهى شخصية الشاعر أو لنقل تتخلى عن كينونتها بصفة مؤقتة.. ترحل نحو ذات أخرى طائرة قامت بجهد اعتلاء الربوة.. ولعل اختيار الربوة يدل على وعي الشاعر بصعوبة ووعورة المشوار وقيمته العلوية، إذ سيصبح على القمة في النهاية.. ومن ثم تدل على وعيه بقيمة الشعر كرسالة جمالية وقيمة علوية لكنها عبر مسيرة تحققها في النص وتحققها في أثر ما تخِّلفه في الواقع محفوفة بالخطر والجحيم.
القصيدة إذن عند شاعرنا رحلة عذاب.. ثمة مخاطرة بحاجة إلى بطولة ووعي مسبق بأنها قمة في الجحيم.. طبيعة العملية إذن تدل على إيمان مبدئي بجدواها، وإلا لما ضحى بكل هذه المعاناة من أجلها. ولنا أن نتخيل فظاعة الجحيم، ورهافة الغراب وضعفه في المقابل.. هو لا يمتلك غير جناحين وريش هش ومع ذلك استغل قدرته على التحليق وحدد هدفه ليعود إلينا بقطعة من الجحيم (النار) التي ترمز هي الأخرى كتمية شعرية إلى الكلمة الوهج/ ألق الشعر/ القصيدة الجمرة/ معاناة استولاد القصيدة.
ولعل الصورة هذه تتلاقح بشكل ما مع أسطورة "برومثيوس" اليونانية حيث يصعد برومثيوس إلى أعلى ليسرق من قرص الشمس فيعود محترقًا منها، وإن كانت الأسطورة تركز على التحدي البشري لقوى الطبيعة أو القوة العلوية إلا أنها من جهة أخرى تركز على شجاعة برومثيوس وتشبعه بروح التحدي وكذا اختيار للمغامرة رغم خطورة العملية التي يسعى إليها.
هكذا يشبه الشاعر مهمته بمهمة برومثيوس في خطورتها ويركز على تشبعه بروح برومثيوس التي تسعى لاقتحام المستحيل.
ولقد تشبع من قبل "أبو القاسم الشابي" بروح برومثيوس ووازى بين مهمته الشعرية في الحياة ومهمة برومثيوس أيضاً وذلك في قصيدة "نشيد الجبار" أو "هكذا غنى برومثيوس".


حيث قال:
سأعيش رغم الداء والأعداء
أرنو إلى الشمس المضيئة هازئاً

كالنسر فوق القمة الشماء
بالسحب بالأمطار بالأنواء

إلى أن يقول:
إني أنا الناي الذى لا تنتهي

أنغامه ما دام في الأحياء

إلى أن يقول:
إن المعاول لا تهد مناكبي
فارموا إلى النار الحشائش والعبوا

والنار لا تأتى على أعضائي
يا معشر الأطفال تحت سمائي


وعلى هذا النحو أيضا نحى "هولدرلن" عندما قال عن دور الشاعر: "جميل بنا نحن معشر الشعراء أن نحمل البروق الربانية إلى الشعب ملفوفة في الأناشيد".
وهكذا يرى "رامبو" أيضا أن الشاعر "سارق النار" إذ يقبض على الكلمة التي ينفخ فيها من روحه كي تتحول إلى سيف من النار! وهكذا هي دلالة النار/ الروح المقدسة في النص/ شرارة الحياة التي تحيل الكائنات شعراً / بروق الرب..
"النار" عند محمود مغربي تستحيل جحيماً، بما يفوق تصور رامبو، وهولدرلن هل لأن البروق الربانية والنار/ اللهب المسروق لم يعدا بحجم خرافة الواقع؟!
هكذا يبدو محمود مغربي مستبصرًا دوره في عصر يستدير ـ رغم نزعته العلمية وتقدمه المادي ـ نحو الخرافة.. إنها المفارقات الشكلية والجوهرية أيضاً في عصرنا، إذ يستحيل التسليم بها إلا في ساحات الخرافة.
هل لأن الشعر أيضا في غربته عن واقع ليس بشعريٍّ البتة أصبح خرافة في أذهان الناس؟! .. هل استخدام الشاعر للفظة "غراب" من دون أجناس الطير يعبر عن رأي الشاعر في ذاته أم أنه استخدام يعبر عن رأى الناس في الشاعر؟!
الغراب بسواد لونه وبصوته الذى ينعب به.. صوته المزعج هذا.. وهو الذى لا يقدم نفعاً للناس.. يعيش مترممًا على ما نفق.. هذا الطائر محكوم عليه باللاجدوى والقبح في واقع يأباه تماما.. هكذا يبدو الشاعر متفهما للمفارقة بين طبيعته ودوره.. ومن هنا تتوالد معاناته وتستفحل.. معاناة تنضح بها الصورة: "اعتلى ـ أفلت" مفردتان مشحونتان بدلالات المكابدة والمجاهدة، وكذلك مفردة "ربوة" تعطى دلالتها في علو المكانة والسمو إلا أنه سمو مرهون بالمجاهدة والمشقة.
ولنا أن نتأمل لفظة الناي" التي تعطى دلالتها في صوت الشاعر المشحون بالشجن.. ناي عظيم بحجم الخرافة.. إن هذا الربط بين الناي والخرافة يربط طرديًا العلاقة بين أزمة الإنسانية بعامة وبين أزمة الذات الشاعرة، ويصنع أيضا المفارقة بين خرافية العصر الكبرى وبين مشروع الشاعر.. إنه عصر منفلت متفلت بآلاته وجحيمه.. حالم رغم لهائه بتحقيق الرفاهية والسعادة.. إن هذه المقابلة بين الناي والجحيم تصنع المفارقة الشعرية من جهة وتبرز الدور العظيم للشاعر الذى يتأسى لحال عصره ويمتشق نايه/ صوته الشعري الذى استطاع رغم جحيم عصره أن يفلته، وإن شئنا يفلت به.
من جهة أخرى فإن مفردة "جحيم" هذه المفردة المنتهى في الصورة تقذفنا نحو هويس آخر، إذ المتبادر إلى الذهن الحقائق لا الخرافات، وهكذا في إحلال الخرافة محل الحقيقة يبدأ هويس الدلالة في الانفتاح من جديد.. هذه المفارقة الأخيرة كفيلة بتأجيج الصراع مرة أخرى بين الذات والواقع، ومن ثم فإن كلمة "خرافة" التي أتت في نهاية المشهد تبدو كما لو كانت شرارة بدء جديد لصورة أخرى؛ لأنها في موضعها حلت محل الحقيقة التي يسعى إليها الشاعر في الأساس، فمهمة الشاعر ربطنا بالحقائق الكلية وراء الوجود وجعلنا بصورة ما قادرين على تأملها.
إذن فكلمة "الخرافة" في موضعها لا تعبر بكيفية استخدامها ودلالتها عن نهاية بقدر ما تعبر عن مفارقة تدفع الشاعر إلى فتح ألبومه الشعري مرة أخرى، إذن هي مفجر شعري وليس نهاية وحسب. وهكذا تتوالد صور القصيدة من بعضها وتنتشر طولياً وتراكمياً بشكل متضافر.. جميعها تتعاون لصنع البنية الكلية للنص. ولنا أن نلحظ الصورة التالية لها لنرى هذا التوالد واضحا:


الغراب..
اعتلى ربوة في الجحيم
وأفلت نايا
بحجم الخرافة
.. تمتم:
طأطأ النخل
هاماته للخراب..



عبد الجواد خفاجى
28/8/1999م
Khfajy58@yahoo.com
الهوامش:
1 ـ يرجع في هذا إلى كتاب د/ البحراوي – (في البحث عن لؤلؤة المستحيل)
2 ـ يرجع في هذا إلى مجلة "فصول" العدد 4 مجلد 4 صـ57 مقالة
إدوارد الخراط حيث بدأها "أبدأ بأن أضع إيماني بالحداثة موضع العقيدة"
3 ـ فاروق شوشة – مجلة الشعر العدد 62 أبريل 1991م ص79 في "سيرة شعرية (اللوحة الخامسة) – مع قصيدة الشعر الجديد".
khfajy58@yahoo.com