السبت، 9 أكتوبر، 2010

سعيد رفيع *** العودة إلى جوبال *** بقلم : أحمد عبدالسلام










أحمد عبدالسلام


سعيد رفيع




سعيد رفيع *** العودة إلى جوبال *** مجموعة قصصية

....................................

بقلم:

أحمد عبدالسلام
...............


تعد القصة من أقرب الفنون الأدبية إلى الأنسان لإلتصاقها بمادة الحكى المنبعثة من أعماق النفس البشرية ولهذا كانت القصة من أكثر الأنماط الأدبية مساهمة فى صياغة هوية البيئة المجتمعية عبر تسجيل جزئيات خصائصه الثقافية ومحاولة النهوض بها وتنميتها كما تقدم لنا القصة صورة عن الأفكار وطبيعة العلاقات الأجتماعية وتصف تفاصيل الأنسان اليومية والقيم والعادات والتراث الشعبى وتعرض لنا صورة كاملة عن بيئتها وتعطى للقارىء ترجمة حقيقية عن المكان الذى تدور فيه الأحداث فتسرق القارىء ليشاهد الأحداث عن كثب وهذا هو المحور الذى إنطلق منه سعيد رفيع فى مجموعته وهو توظيف كل ثقافة المجتمع فى قصص المجموعة حيث تتوحد فى رؤية وهدف يجعلها أقرب إلى العمل الروائى منها إلى المجموعة القصصية فمن خلال الحكى الأسطورى تم عرض صورة حقيقية لواقع المجتمع على ساحل البحر الأحمر مابين البحر والصحراء قبل أن تغزوه المدنية وتجرده من هويته الثقافية والأجتماعية

العودة إلى جوبال **هى المولود الثالث للأديب سعيد رفيع وهى منجم من المعلومات وتوثيق التراث حيث أن الأنتاج الأدبى فى أى مجتمع يعتبر أحد مصادر جمع المعلومات وخاصة فى المجالات الأجتماعية

العودة إلى جوبال بحسب رؤيتى هى للرواية أقرب مع بطل يميل إلى الحكى الذاتى الذى يشكله فى قوالب قصصية نقتنع بها ومن خلال المجموعة نتعرف على ***الوصف الديموجرافى لقبائل المنطقة من ( الرشندية - الرواشد - المعازة - - العوازم - جهينة - والعزايزة - وعرينة )

الوصف الجغرافى -**تعرفنا على على كم كبير من الجزر المنتشرة فى البحر الأحمر منها (جزيرة جوبال - جفتون - دهلك - أم قمعر - الفنادير- جيسوم - صنافر - تيران - هذا فى البحر أما البر ** فهناك منطقة ابو الحسن الشاذلى - مرسى علم - الشيخ مالك - سفاجا - الغردقة - شرم الناقة - **كما تم تناول جمال وسحر طبيعة بيئة البحر الأحمر من خلال وصف الشعب المرجانية والحياة البحرية وأنواع من الأسماك التى تعيش فى مياه البحر الأحمر مثل ( سمك الناجل - الفارس - البورى - الدراك - الحريد - السيجان - الكابوريا - السلاحف - القروش من خلال بركة القروش ومنها الأبيض والأزرق والأسود )هذا بالأضافة لطير البحر من النوارس والتى ترتبط دورة حياتها بالبحر .

**الفن الشعبى وموسيقا بيئة الصحراء من خلال **( الزريبى ) وهو غناء تبادلى بين الرجال ثم ( الرفيحى ) غناء جماعى للرجال تشاركهم النساء الرقص فقط ( المتينة ) يعتمد على الأيقاع السريع وهو غناء رجالى يعتمد على الرتم البطىء وتشارك النساء بالرقص .

تعرضت المجموعة للملابس من ( المسفع - النقاب - الشملة ) وعودة لجغرافية المكان تعرفنا على أنواع الرياح فى المنطقة مثل (الأذيب القادمة من الجنوب ثم تعقبها رياح الشرو العاتية والقادمة من الشمال ثم رياح الشرش القادمة من الغرب ثم نسائم الردود القادمة من الشرق هذا بالأضافة لوصف المنازل والطرقات والأبواب والنوافذ وقدم لنا سعيد رفيع كل هذا من خلال أبطال قصصه والتى شكلتهم القصص إلى أساطير .

ثقافة الأسطورة :-

منذ أن لجأالأنسان البدائى إلى الأسطورة كوسيلة لأدراك الحياة ( تأكيد طبيعة الفعل الأنسانى ) كما يقول العالم الأنثربولوجى ( ليفى شتراوس ) منذ ذلك الوقت والأسطورة تلعب دورا حاسما فى تشكيل الرؤية الأنسانية للواقع حيث يعد بإنفتاحها الدائم على عالمه أمينة فى إلتقاط الأسرار التى تختفى تحت سطحه الظاهر ودؤوبة على توسيع أبعاده ومدارجه وتأصيل الوعى به والواقع والأسطورة عنصران لا ينفصمان عن حركة النمو الأبداعى عند الأنسان فى كل أشكاله الأدبية بل إنها على العكس من ذلك يتداخلان ويمتزجان أحيانا فى نسيج واحد على أكثر من مستوى وهذا لمسناه فى قصص المجموعة التى تعالج الواقع من منظور اسطورى خيالى يرمز إلى الواقع من خلال عين سحرية لا تتجرأ على مواجهة سلبيات الواقع وجها لوجه .

وقد وضف كثير من الأدباء الكبار العنصر الأسطورى بوسائل شتى وأساليب مختلفة مثل رواية ( الزويل ) للأديب جمال الغيطانى من خلال معجزات الزويل الخارقة التى تتقابل مع معجزات الشيخ براك عند سعيد رفيع و( دوائر عدم الأمكان ) للأديب مجيد طوبيا من خلال تلون البطل بكل أشكال الحيوانات والطيور والتى تتقابل مع شخصيات سعيد رفيع من الجنيات وشخصية العرجاء والعشة الأخرى . ورواية ( التاجر والنقاش ) للأديب محمد البساطى من خلال شبح التاجر الذى تحول إلى بغلة التى تتقابل مع قصة الدبرغط هذا بالأضافة إلى رواية ( فساد المكنة ) للأديب صبرى موسى والتى دارت أحداثها فى بيئة جنوب البحر الأحمر وصورت مدى توحد البدو مع المكان وتقديسه وهذا يشابه قصة العشة الأخرى.

هذا الربط بين الواقعى والأسطورى هو الأحتجاج الأدبى البوح الصامت للأنتماء والحزن على التغيرات السريعة للمجتمع وحب الأنتماء للبيئة التى ترعرع فيها الأديب سعيد رفيع هذا هو الوصف العام للمجموعة وسوف تكون لنا معها عودة أخرى إن كان فى العمر بقية.


( نداء خفى ) ....نبيهة السافي







( نداء خفى )


...

نبيهة السافى

.....




أيها المارون عبر محطة قلبي

رفقا بي و بقلبي

ولا تتوقفوا لساعات قليلة وترحلوا

تاركين آثارا لا تمحوها السنين

أيها المارون باحلامكم و امانيكم

بضحكاتكم الساحره

باتعابكم و همومكم

باحزانكم و دموعكم

فقلبي رغم وجعه يتسع لكم جميعا

لكن ابقوا فيه بعض الوقت

ليستريح من الامه

و يعود لما كان عليه قبل الميلاد

ابقوا كما تشاؤون

بعدد السنين

فقلبي بحجم الكون

و العمر فيه لا يقاس بالايام و الشهور

فلا شئ يدعوكم لرحيل

أيها المارون عبر محطة قلبي

انصبوا الخيمة و اجلسوا

اقدحوا نارا و اطبخوا شاي

و قهوة عربي

ليحلى عمري معكم

و لتدقوا الدفوف و تعلنوا الافراح

لعل قلبي ينسى وجع السنين

و يرقص حتى يبكي

أيها المارون عبر محطة قلبي

فرشت لكم الارض زهر و عنبر

اجلسوا بامان و اطمئنوا

اغمضوا العين و ناموا

لا خوف عليكم الا من نبضاته

توقضكم من احلامكم

أيها المارون بمحطة قلبي

الا يكفيكم سفر و ترحال

الا يكفيكم هجرة و غربة

الا تشتاقون لخلع دروع الحرب

و النعلين و الصلاة في المحراب

ايها المارون من هنا

كبر الالم بقلبي

و لم يعد يقوى على جمع امتعتكم

اتركوا لي البعض من الوقت

لاغلق حقائبكم كما اشتهي

لاكتب كلمات تليق بي و بكم

و لا ترحلوا كما رحلوا

أيها الراحلون انهكني التعب

من رش الماء و الورد خلفكم

أيها المارون من هنا

عبر شرايين قلبي

حطوا الرحال لاخر مرة

و لنعلن هدنة

حتى رحيلي الابدي

هل ستبقون ؟؟؟



في حوار حصري لأول مطبوعة مغربية "نجمة الجزيرة" خديجة بن قنة لأسرة مغربية:



ح
الاعلامية منال شوقى



في حوار حصري لأول مطبوعة مغربية

"نجمة الجزيرة" خديجة بن قنة لأسرة مغربية:

وراء الإعلام دائما سلطة المال أو سلطة السياسة

أصولي مغربية॥ ولهذه الأسباب بكيت على الهواء.. وهذه أطرف الحوادث التي حدثت معي




الاعلامية خديجة بن قنة لأسرة مغربية:

حضورها القوي على الشاشة وصوتها المتفرد وكاريزمتها المميزة وثقافتها الواسعة كانوا مفتاح دخولها إلى قلوب المشاهدين بدون استئذان لتحتل مكانة كبرى في قلوب متتبعيها..‏ لدرجة أصبحت نموذجا وقدوة للعديد من الصحافيين ومرجعا في المعاهد ومؤسسات التكوين الإعلامي.

بسيطة في تعاملاتها، متزنة في كلامها، متواضعة إلى أقصى الحدود.. عندما تطل على الشاشة تترسخ داخل ذهن مشاهديها رصانتها وجديتها وهدوؤها في خوض النقاشات الساخنة.. صنفت كواحدة من أكثر‏10‏ نساء عربيات تأثيرا في العالم العربي، ونالت جائزة "إعلامية العام عن سيدات الأعمال والقياديات في الشرق الأوسط بدبي"، ولم يزيدها ذلك إلا تواضعا وبساطة‏.. أحبها الجميع قبل الحجاب، وزاد حبهم لها بعد الحجاب، خصوصا أنها ساهمت في تغيير الصورة النمطية للمذيعات العربيات..‏

هي "نجمة الجزيرة" الأولى بدون منازع، التي رافقت القناة منذ نشأتها والتي تستطيع بثقافتها الواسعة والعالية الخوض في مختلف المواضيع بقدرة وتمكن.. هي ابنة الجزائر، بلد المليون شهيد، هناك ولدت وترعرعت وتخرجت من معهد الإعلام بجامعة الجزائر قسم الإذاعة والتلفزة، ثم التحقت بمعهد اللوفر لتكوين الصحفيين المحترفين في باريس..

بدأت العمل سنة 1986 صحفية في الإذاعة الجزائرية ثم انتقلت للعمل في التلفزيون الجزائري.. تعرضت لمحاولة اغتيال، فشدت الرحال نحو سويسرا لتعمل في إذاعة سويسرا العالمية بصفتها مقدمة (مذيعة) للأخبار ومسؤولة عن الملف الأسبوعي الذي كان يهتم بالجالية العربية في سويسرا.. عندما بدأت قناة الجزيرة القطرية بثها عام 1996عملت مقدمة للأخبار ولبرامج حوارية.. إنها خديجة بن قنة المرأة بألف رجل، التي شاركت في تغطية الكثير من الأحداث الساخنة والحروب مثل: الحرب على أفغانستان، الحرب على العراق، الحرب على لبنان، الانتفاضة الفلسطينية الثانية.. كثيرة هي البرامج التي قدمتها نجمة الجزيرة الجزائرية بل ومتنوعة بين السياسية والدينية والاجتماعية.. فمن "للنساء فقط" و"الشريعة والحياة" إلى "ماوراء الخبر" واللائحة تطول..

خديجة أم لثلاثة أبناء، قلبها الكبير وحنانها لا يقتصر فقط على أبنائها، لذلك نجدها حنونا حتى حينما يضعها القدر أمام موقف إنساني، وهنا لا أحد ينسى دموعها وهي تتابع تصريحات سيدة فلسطينية تقطن بغزة عبر الهاتف، بكت خديجة وبكت السيدة فأبكيتا كل المشاهدين، لتسارع إلى إعلان نهاية النشرة المباشرة والدموع تنهمر من عينيها.. "أسرة مغربية" استضافت الإعلامية خديجة بن قنة التي قبلت ورحبت بالضيافة، وحكت بصدر رحب وبكل عفوية وصدق وأمانة عن مختلف الأسئلة التي دارت حول شخصيتها وأسرتها وقناة الجزيرة ومحاولة اغتيالها وسر استقالة زميلاتها الخمس من القناة وعن صحة مايروج بأنها ستتقلد إحدى المسؤوليات الإعلامية والإدارية بشبكة الجزيرة..

منال شوقي

في بداية حوارنا، سنطرح سؤالا تقليديا لكنه مهم للقارئ المغربي، عرفينا بنفسك، من هي خديجة بن قنة وهل هذا اسم الشهرة أم الاسم الحقيقي؟

خديجة بن قنة هو اسمي الحقيقي, لأنني لا أؤمن بالأسماء المستعارة، أجدها تشبه الأقنعة التي نختفي وراءها أحيانا لارتكاب أفعال لا تليق بأسمائنا، ربما لهذا أجد صعوبة في التواصل عبر الفيسبوك مع الأسماء المستعارة و الصور الوهمية.

كيف كانت طفولتك؟

طفولتي كانت بسيطة، بين ثمانية من الإخوة (ثلاثة أولاد و ست بنات) و أم أميّة لم تدخل من مدارس التعليم سوى مدرسة الحياة، و أب قومي عروبي ناصري، كان يعشق جمال عبد الناصر ويعلق صوره في كل مكان من البيت. دخلت المدرسة الابتدائية في السبعينيات وكنت مع جيلي مختبر تجارب متتالية لسياسة التعريب في بلد كان فرانكوفونيا بالكامل. درست على يد أساتذة مشرقيين من مصر وسوريا وفلسطين في المراحل الأولى من تعليمي الابتدائي والإعدادي.

طفولتي كانت جميلة، عفوية وبسيطة إلى حد الإشفاق على أبنائي وعلى طفولتهم الالكترونية وسط البلاي ستيشن والكمبيوتر والعوالم الافتراضية.

سنعود بك بالذاكرة إلى الوراء وبالضبط مغادرتك الجزائر نحو سويسرا لأسباب أمنية، عندما تلقيت تهديدات من إحدى الجماعات المسلحة.. حدثينا عن ذلك؟

سؤالك يعيدني إلى ذكريات قديمة لا أحب أن أتذكرها، كانت مرحلة عصيبة من حياتي وقد انتهت والحمد لله بسلام. أحاول دائما أن أنظر إلى الأمور نظرة إيجابية، و أقول القول المأثور: "رُبّ ضارة نافعة"، فلو لا تلك الأزمة ما كان ليخطر ببالي أبدا أن أهاجر.. والهجرة والغربة علّماني الكثير وحفزاني على السعي وراء النجاح خارج الأطر المحلية الضيقة. لكنني لا أخفيك أنني بدأت الآن أشعر بثقل الغربة والبعد عمن نحبهم, فقد بلغ والدي من العمر عتيا وأصبحت أشعر بعقدة الذنب تجاههما، كوني لا أستغل بما يكفي السنين المتبقية من أعمارهما والجلوس بجانبهما واستغلال كل دقيقة وثانية معهما.

حصلت على بكالوريوس في الإعلام الإذاعي والتلفزيوني من جامعة الجزائر عام 1988، وشهادة تكوين من مركز «CFJ» لتكوين وتدريب الصحافيين في اللوفر بباريس عام 1989، وشهادة تكوين من مركز «CIRNEA» للإنتاج التلفزيوني في باريس عام 1993. حدثينا عن مسيرتك المهنة قبل التحاقك بقناة الجزيرة الإخبارية؟

قبل الجزيرة، عملت بالإذاعة السويسرية في بيرن، وقبلها كنت بالتلفزيون الجزائري، والحقيقية أنني قدمت إلى التلفزيون من الإذاعة لا أفقه شيئا في أبجديات العمل التلفزيوني، وشيئا فشيئا تعلمت كيف أجلس أمام الكاميرا وكيف أحاور الضيوف، وأيامها كان التلفزيون الجزائري يعيش مرحلة غير مسبوقة في تاريخه من الانتعاش والحرية، وكان مستوى الضيوف عاليا، و الحوار أيضا مع شخصيات مهمة مثل الزعيم الإفريقي نلسون مانديللا والزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات..، وعلى الصعيد الداخلي كان رؤساء وزعماء أحزاب المعارضة يتحدثون بمطلق الحرية عن برامجهم و ينتقدون السلطة بجرأة غير معهودة، لكن للأسف كل ذلك أصبح من التاريخ!!!

وماذا عن الجزيرة الإخبارية كيف جاء التحاقكم بها؟

الالتحاق بالجزيرة جاء في فترة عاودني فيها الحنين إلى التلفزيون، وكنت حينها أعمل بالإذاعة السويسرية، وجاء هذا المشروع واعدا من بدايته فتشجعت للالتحاق به. والحقيقة أنني لم أندم لحظة على خيار الالتحاق بالجزيرة رغم أن وضعي بالإذاعة السويسرية كان ممتازا.

الجزيرة مؤسسة إعلامية لها هويتها، إلى أي حد يتمتع المذيع بحريته الإعلامية داخل هذه المؤسسة؟ أم أن حريته تتلاشى أمام رؤية وأهداف المؤسسة؟

يتمتع المذيع في الجزيرة بنفس القدر من الحرية الذي يتمتع به باقي الموظفين من صحافيين ومنتجين ومحررين، فهو جزء من مجموعة كبيرة من الموظفين تسهر على إخراج ما نشاهده على الشاشة، وأعترف بأنني كمذيعة، وإن كان لا يروقني أحيانا تناول بعض المواضيع بمنهجية تقليدية ينقصها الإبداع والابتكار، إلا أنني أشهد بصدق وأمانة أنه لم يحدث أبدا أن طلب مني مسؤول من المسؤولين أن أنحاز أو لا أنحاز لهذا الطرف أو ذاك، أو أن أسأل سؤالا أنا لست مقتنعة به، أو أن أكون حادة مع ضيف ومتساهلة مع آخر، الفصل في هذه الأمور يعود أولا و أخيرا إلى الالتزام بقواعد المهنة، لأن المهنية هي التي تحمينا.

يشاع بأن الجزيرة الإخبارية لها أجندة سياسية، وأن خطها التحريري هو لخدمة هذا الهدف؟ إلى أي حد تتفقين مع هذا الرأي؟

ليس عيبا أن يكون لأي قناة أجندة سياسية، لكن لا يجب أن تطغى هذه الأجندة على مهنية القناة، وهل يعقل أن تصرف دولة أو جهة أو حزب مليارات الدولارات على مشروع إعلامي ولا تستفيد منه؟ حتى بأمريكا لا توجد هذه المثالية.. لننظر إلى الأمور بواقعية، وسنجد أن الأمر طبيعي عندما لا يصل حد المساس بمهنية القناة. ها هي "الحرة" تمولها أمريكا و"روسيا اليوم" تمولها الحكومة الروسية و"البي بي سي" تمولها الخارجية البريطانية والكل يخدم بشكل أو بآخر الجهة الممولة، لكن بدرجات متفاوتة طبعا إذ تبقى "البي بي سي" الأكثر التزاما بالحياد والموضوعية.. في النهاية وراء الإعلام دائما سلطة المال أو سلطة السياسة.

قبل أشهر قليلة عرفت القناة تحولات جوهرية، نتيجة الاستقالات الجماعية لعدد من المذيعات بسبب المظهر "اللباس"، وقيل حينها أنك من بين اللواتي هددن أيضا بالاستقالة؟ ما مدى صحة هذا الخبر؟ وما الذي حدث بالضبط، هل الإشكالية كانت فقط إشكالية المظهر أم أنها كانت الواجهة لإشكاليات أعمق؟

الحقيقة أنني لا أجدد مبررا لهذا السؤال طالما أن مذيعات الجزيرة كلهن محتشمات بلا استثناء، بل إنهن الأكثر احتشاما في الوسط الإعلامي التلفزيوني العربي، والواقع أنني لا أحبذ التوغل في هذا الموضوع لأنني لا أملك صلاحية الحديث نيابة عن زميلاتي اللائي تربطني بهن علاقة صداقة ومحبة واحترام.

منذ فترة كثر الحديث عن خديجة لإدارة إحدى المؤسسات الإعلامية، هل هذا صحيح؟

يفاجئني هذا السؤال في كل المقابلات التي تجرى معي، والحقيقة أنني أستغربه تماما لأنني فاشلة تماما في فن الإدارة.. إن إدارة مؤسسة إعلامية مسألة في غاية التعقيد برأيي، إذ لا يكفي أن تفهم في السياسة والإعلام لتدير محطة تلفزيونية بل عليك أن تكون عبقريا في فن الادارة، وأن تستطيع تحقيق توازنات معينة في العلاقة مع السلطة الحاكمة سواء كانت القناة محلية وطنية أو دولية.. لهذا أعتقد دوما أنه من السهل على الصحافي أو الإعلامي أن يتحول إلى سياسي ناجح، لكن ليس بالضرورة إلى إداري أو مدير ناجح.. الإدارة لها أصولها.

لو طلب منك إدارة شبكة الجزيرة أو تولي أحد المناصب الإدارية، فماذا سيكون جوابك؟

للمناصب الإدارية أقول فورا "لا"، وقد رحم الله امرئ عرف قدر نفسه، وأنا أدرك تماما أنني لا أصلح لغير ما أقوم به، ولدي أفكار كثيرة في مجال عملي ما زالت حبيسة رأسي تنتظر الإفراج يوما ما. إن المشهد الإعلامي التلفزيوني والإخباري على وجه التحديد يشهد نمطية قاتلة حصرته في دائرة الفعل المرتبط بالسياسة وبالقتال والحروب، مع أن الحياة من حولنا أوسع و أرحب من ذلك بكثير.

بعض البرامج تقلصت جاذبيتها وجدواها، هل هناك إحساس بهذا الموضوع، وهل تم التفكير في إعادة النظر في البرامج؟ وهل تساهم أسرة "الجزيرة" في تقييم هذه البرامج، واقتراح البديل؟

ربما كان معك حق في مسالة تجديد بعض البرامج لكن لا تنسي أن البرامج القديمة ما زالت نسبة مشاهدتها عالية وهذا الكلام يستند إلى دراسة أعدتها مؤسسة عالمية متخصصة في سبر الآراء.

لكن التجديد سُنة الحياة وأنا معك في أن بعض المواضيع والمناطق ما زالت لم تأخذ حقها من التغطية بالشكل المطلوب رغم الجهد المبذول في هذا الاتجاه مثل منطقة المغرب العربي التي يقترب عدد مشاهديها مجتمعة من مجموع مشاهدي الشرق الأوسط و الخليج العربي.

خديجة بن قنة صحافية جزائرية، كيف يتم التعايش بين مختلف الجنسيات داخل الشبكة التي تضم عدة جنسيات؟ هل هو نعمة أم نقمة على الشبكة؟

التعايش بين مختلف الجنسيات يتم على أساس الاحترام و المحبة، نتعاون كثيرا في مجال العمل وننسى تماما أننا ننتمي إلى جنسيات وبلدان وأديان وطوائف مختلفة، ربما على مستوى اللهجات يحز في أنفسنا قليلا نحن المغاربيين أننا نبذل جهدا أكبر في تعلم اللهجات المشرقية إلى حد الإتقان، فيما لا يبذل زملاؤنا المشارقة نفس الجهد من أجل فهمنا وهذا أدى إلى سيادة بعض اللهجات المشهورة مثل اللهجة المصرية واللبنانية والفلسطينية واندثار اللهجات المغاربية. لكن هذه ليست مشكلة، هي ملاحظة عابرة فقط قد تؤدي بنا إلى التفكير يوما في الاحتكام إلى اللغة العربية في تعاملنا وحديثنا إلى بعضنا البعض رغم أن المشهد حينها سيبدو فكاهيا وقريبا إلى المسلسلات المكسيكية المدبلجة..

أما التعايش مع الآخر في القناة الانجليزية، أقصد الزملاء الغربيين في البناية المجاورة فقد كان مفيدا ومثريا لنا ولهم، وإحدى الصور الجميلة لهذا التعايش أننا نتناول إفطار رمضان مع بعضنا البعض بمطعم القناة، ونحن على طاولة الأكل يسألون كثيرا عن رمضان والحكمة من الصوم وعن الإسلام.. أعتقد أنها فرصة جميلة للتعريف بالإسلام وبجماله وتسامحه وانفتاحه على الآخر.. وعلى صعيد الأكل الشرقي والعربي أصبحوا يحفظون أسماء الأكلات العربية من الكوسة المحشية إلى التبولة والكسكسي والطجين وغير ذلك. هذا شكل من أشكال التعايش، أليس كذلك!!

نستهل جزءنا الثاني من الحوار بحجاب خديجة بن قنة، من الأمور التي لقيت اهتماما غير مسبوق.. كيف تعاملت مع الحملة التي رافقت حجابك؟

الحجاب هو مسألة شخصية تدخل في إطار علاقة الإنسان بخالقه، وفي إطار القناعات الشخصية لكل إنسان، فأنا لا أعطي نفسي حق التنظير أو انتقاد الآخرين، وأحتفظ في نفس الوقت بحقي ممارسة حريتي الشخصية في أن ألبس ما أريد، لهذا استغربت كثيرا من الحملة الإعلامية التي شنتها بعض وسائل الاعلام على حجابي، ورفضت أن أدخل في سجال عقيم على صفحات الجرائد و المجلات، بل إنني رفضت إجراء أي مقابلة صحفية مع أي جريدة ومجلة إلا بعد ثلاث سنوات، بعد أن هدأت الحملة، وكان أول ظهور لي حينها في برنامج، لكن قبل ذلك كانت مجلة فوربسFORBES الأمريكية المتخصصة في تصنيف المشاهير على قناة أل بي سي LBC في برنامج الحدث الذي تناول ظاهرة الحجاب بالتحليل.

تصنيف "فوربس" لك كواحدة من عشر نساء الأكثر تأثيرا في العالم العربي قبل سنوات قليلة هل شعرت بأنا أنصفك أو آزرك في وجه الحملة التي تعرضت لها؟

نعم بالتأكيد، خصوصا أن تصنيف مجلة FORBES جاء مرتبطا أيضا بموضوع الحجاب، فقد كان تحت عنوان: "عرّابة الزي الإسلامي في الوسط الإعلامي العربي".. والحمد لله أن الأمور تيسرت كثيرا بالنسبة للإعلاميات المحجبات للعمل في الفضائيات ومختلف وسائل الإعلام.

متى برأيك يتحول الإعلامي إلى نجم جماهيري يتتبع الناس أخباره؟

لنتفق أولا على مفهوم النجومية.. النجم برأيي هو كل إنسان يتكرر ظهوره على الشاشة ويتعود عليه الناس فيصبح وجها مألوفا لديهم، ولو ظهر حارس العمارة أو الفراش أو سائق الطاكسي يوميا على الشاشة لأصبح نجما، وبالتالي النجم قد يكون رئيس الدولة أو الفنان أو السائق أو الصحافي أو الطباخ. فالنجومية لا تقاس برأيي بمستوى ما نقدم من أعمال وإنما بتكرار الظهور وتعود الجمهور علينا. فنحن كما تعلمين، لا نخترع الذرة وكل ما نفعله هو أداء المهام الموكلة إلينا في مقابل أجور نتقاضاها نهاية الشهر مثلنا مثل أي موظف عادي، مع إيماننا طبعا بنبل الرسالة التي نحملها والتي نقدمها لمجتمعاتنا من أجل تغييرها نحو الاحسن والأفضل.

وهل هذه الأجور التي تتقاضونها تتناسب مع مستوى نجوميتكم؟

نعم بالتأكيد، لأن أجور النجوم تختلف عن مستوى أجور باقي الموظفين، لا ننسى هنا أن عبء النجومية يتطلب مصاريف إضافية لصيانة الصورة والمظهر والمركز الاجتماعي لأنها تصبح ملكا للقناة وتعكس الى حد بعيد صورة ومكانة القناة وليست أبدا من قبيل الرفاهية أو الكماليات.

حدثينا عن تلك اللحظة التي ترسخت في ذهنك وذهن المشاهد عندما غلبتك مشاعرك وبكيت وأنت تلقين نشرة أخبار مشهد تأثرك أثناء تغطية أحداث غزة باستغاثة ميساء الخطيب؟

أعترف أولا بأن ما حدث معي يخرج عن إطار المهنية بالمفهوم الأكاديمي النظري، لكنه في نفس الوقت لا يخرج عن حدود اللياقة الإنسانية التي يفرضها موقف مثل هذا.

صحيح أننا نتعلم في معاهد الإعلام أن تأثر المذيع بمشهد ما أو صورة ما وتفاعله معها أو انسياقه وراء مشاعره يفقده المصداقية المطلوبة للحفاظ على حياده، لكننا في النهاية بشر ولسنا آلات مبرمجة أو روبوتات تتحرك بمجرد الضغط على زر من الأزرار.. أنا بكيت على الهواء لأنني لم أتحمل صرخات تلك السيدة الفلسطينية وهي تستغيث أمة ميتة والطيران الإسرائيلي يقصف بيتها على الهواء، كان موقفا صعبا لم أتمالك فيه نفسي.

وهل تعرفين أن نسبة مشاهدة هذه الصورة ضربت رقما قياسيا على اليوتيوب؟

نعم، لقد تفاجأت بنسبة المشاهدة العالية لهذه المقابلة على اليوتيوب، تعليقات المشاهدين أعطتني الإحساس بأن نظرية الاعلام الموضوعي المحايد تحتاج الى مراجعة، فالحياد في قضايا الأمة وفي قضايانا المصيرية يأتي بنتائج عكسية.

وكيف السبيل إذن إلى ولوج عقل وقلب المشاهد معا؟

"أقنعني"، هذه هي الكلمة التي أشعر بأن المشاهد يرددها أمام المذيع وهو يشاهده على الهواء.

والإقناع برأيي لا يأتي بالصراخ ورفع الصوت وخوض معارك لغوية وأدبية وخطابية على الهواء، إنما يأتي بالحوار الهادىء والمعلومة الدقيقة وبالبرهان والدليل الذي يسند الطروحات المقدمة.

هل حدثت معك مواقف محرجة أو مزعجة على الهواء؟

طبعا.. ومثيرة أحيانا. أحد الوزراء العرب رفض أن يطلع على الهواء دقائق قبل بداية البرنامج عندما علم في اللحظة الأخيرة أن من سيحاوره مذيعة محجبة، وفي إحدى المرات قطع الضيف المقابلة "مترجمة" في نشرة الأخبار ليرد على زوجته على الهاتف الأرضي وهو على الهواء، وفي إحدى المرات عاتب العقيد الليبي معمر القذافي إدارة القناة على الهواء في مقابلة أجراها معه محمد كريشان على أنها تشغّل خديجة بن قنة بلا رحمة إذ كلما فتحت شاشة الجزيرة كما قال أجدها تذيع على الهواء.

موقف جميل حدث معي في مقابلة أجريتها مع السيدة كارلا بروني ساركوزي حيث إنها أصيبت بنوبة من الضحك وهي تتذكر ما سمته بالحماقات والشقاوة التي مارستها في حياتها عندما كانت شابة ولم تكن تعرف أن القدر سيحمل لها مفاجآت في المستقبل وأنها ستصبح السيدة الأولى لفرنسا.

سمعنا أنك تصابين بالتشنج عندما يكون أحد ضيوفك من الإسرائيليين، كيف تتعامل خديجة مع حساسية بعض الضيوف؟

أتعامل معهم بكل مهنية رغم الاستفزاز الذي أشعر به في داخلي. في السابق لم أكن أتحمل كذبهم ونفاقهم على الهواء، وكنت أقاطعهم كثيرا ولا أشكرهم في نهاية المقابلة، لكن مع الوقت أصبحت أكثر مهنية في التعامل معهم لأنني لا أمثل نفسي على الهواء، ولأن الضيف من حقه أن يعبر عن وجهة نظره مهما اتفقنا أو اختلفنا معه ومع آرائه وطروحاته.

اخترت من قبل مجلة فوربس الأمريكية كشخصية نسائية مؤثرة، كما كرمت في أكثر من دولة وأيضا اختارتك جريدة "الرأي نيوز" كأكثر النساء العربيات تأثيرا.. وفي السنة الماضية اختارك قراء مجلة سيدتي كأحسن مذيعة، و قبل أشهر صنفك الاتحاد العربي للصحافيين الشباب كأول مذيعة عربية.. كيف كان شعورك؟

الحمد لله أولا لأن التوفيق من الله سبحانه وتعالى، لا أدّعي أنني أقدم شيئا خرافيا يستحق كل هذا التكريم، لكن ربما كنت قريبة من قلوب المشاهدين. صدقيني والله لا أدري ما السبب في تكريمي، وأعتقد ببساطة أن هناك شخصيات أكثر أهمية وأكثر فائدة لمجتمعاتهم مني ولكنهم مغمورون ولا يسلط الضوء عليهم.. أما عن شعوري فإنه بالتأكيد هو شعور جميل بالنجاح، وأحسب أن من يستحق معي هذا التكريم هو طواقم العمل الطويلة العريضة التي لا نراها أمام الكاميرا والتي تعمل في صمت وتواضع ولا يعرفها الجمهور.

بعد أكثر من 20 عاما من العمل الإعلامي.. كيف ترى خديجة بن قنة نفسها اليوم؟

أرى نفسي أكثر اتزانا، أمشي على الأرض هونا، وأحاول أن أعيش معنى الآية الكريمة من سورة الإسراء "ولا تمش في الأرض مرحا فإنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا".

خديجة متزوجة من جزائري يعمل بقطاع النفط في قطر، كيف يرى زوجك عملك وماهي المساعدات التي يقدمها لإحدى جنديات مهنة المتاعب؟

مهنة المتعب أتعبته، فهو رجل شرقي مهما حاول أن يتخلص من عبء الموروث الثقافي الذي يصنف ويوزع الأدوار الاجتماعية بين المرأة والرجل. لكنه يعيش معي هموم المهنة ويتابع باهتمام كل ما يجري من حولنا في العالم ويطالع كثيرا، و أستشيره في بعض المواضيع..


لديك ثلاث أبناء طلال آخر العنقود ورامي ورؤيا.. كيف تجدين الوقت لرعايتهم؟ وكيف ينظرون إليك كأم ونجمة تدخل بيوت المشاهد العربي؟

لا تصدقي امرأة تقول لك إنها توفق بين البيت والعمل خصوصا إذا كانت زوجة وأما، المعادلة ليست سهلة أبدا، وأعترف أنني فشلت في بعض المراحل من حياتي لأنني كنت أرجح كثيرا كفة العمل، فأنا امرأة تعشق العمل الذي تقوم به، لكن نجحت فيما بعد في تحقيق التوازن المطلوب، و ربما يكون أسهل بالنسبة لي أن أتقبل انتقادا يوجه لي بأنني صحافية فاشلة من أن يقال عني إنني أمّ فاشلة رغم أنني لا أتمنى الفشل في كلتا الحالتين.. والأمر لا يتعلق بنا نحن النساء في العالم العربي فقط، إذ أن كثيرا من النساء في الغرب يضطررن الى تأجيل طموحاتهن المهنية إلى حين التفرغ من المهام الاجتماعية والأسرية، انظري من حولك ستجدين أمثلة مشابهة في فرنسا: سيغولين روايال خاضت سباق الانتخابات بعد أن أنجبت أربعة أطفال وبدأوا يكبرون، وهيلاري كلنتون خاضت معترك السياسة بعد أن انتهى دور زوجها وكبرت ابنتها، ونانسي بيلوسي رئيسة الكنغرس الامريكي نفس الشيىء وهكذا...

كم أعطى العمل خارج البيت للمرأة من قيمة في استكمال إنسانيتها ومشاركتها في بناء الوطن وتقدم المجتمع؟

أعطى لها وأخذ منها، فالوقت المستقطع للعمل لا يلغي واجباتها الأسرية والمنزلية، ومعنى هذا أنها بدل أن تقوم بعمل واحد أصبحت تقوم بعمل مضاعف داخل وخارج العمل دون أن ينصفها المجتمع أو يعترف لها بهذا الجهد، رغم البعد الاقتصادي الهام لهذا الدور ذلك أنها لم تعد تعمل من قبيل الرفاهية و (البريستيج) أو من قبيل إثبات الذات، بل إنها تعمل من أجل الارتقاء بمستوى الأسرة اقتصاديا واجتماعيا. لهذا أصبح من الملحّ على المؤسسات ودوائر الشغل أن توفر أبسط المقومات للمراة العاملة مثل دور الحضانة داخل مؤسسات العمل، هذا أضعف الإيمان.

بالنسبة للأزياء، الكل يلاحظ أنك تهتمين كثيرا بتناسق الألوان، وخاصة مع الحجاب، من يساعدك في ذلك؟

أحاول بما أستطيع أن يكون شكلي لائقا، وأن تكون الألوان متناسقة ولا أحد يساعدني في ذلك، فأنا أجتهد بشكل شخصي وأتمنى لو كان لدينا في القناة أناس متخصصون يقدمون لنا النصيحة ويوجهوننا.. إنني أحاول أن أجتهد في اختيار ما يناسبني من ألوان هادئة غير صارخة وقصّات ساترة للجسم وتتماشى مع خطوط الموضة لأنني لا أحب أن توصم المرأة المحجبة بأنها مهملة لنفسها.

البعض يلومك لأنك تضعين الكثير من الماكياج مع الحجاب.. ما ردك؟

الذين يعرفونني هنا في الدوحة يعرفون أنني لا أضع الماكياج خارج ساعات العمل، لكن في العمل الماكياج ليس اختياريا بل هو إجباري وأحد شروط العمل الأساسية، وأنا لا أضعه بنفسي بل أخضع مثلي مثل زميلاتي وحتى زملائي الرجال لجلسة وضع الماكياج قبل النشرة في قسم الماكياج الخاص بالقناة.

  • · هل لديك زملاء من المغرب؟ وكيف تجدين مستوى الإعلاميين المغاربة بقطر؟

لدي زملاء وأصدقاء مغاربة كثر، وأنا أعتز كثيرا بعلاقات الأخوة والصداقة التي تجمعني بهم، و بالمستوى المهني الراقي الذي يتمتعون به، سواء من المذيعين أو من المحررين والمراسلين، ولدينا اسماء مغربية مشهورة جدا في القناة بأدائها المهني الرفيع في مكاتبنا في واشنطن وفي المغرب وفي غرفة الأخبار..

وسأفشيك سرا إذا قلت لك أن في عروقي دما مغربيا، ذلك أن جدّتي من أمي مغربية أصيلة من مدينة طنجة ونحن نزورهم باستمرار.


الجمعة، 8 أكتوبر، 2010

الفنان التشكيلي الكردي ارشفين ميكائيل ( حياته وأعماله ) بقلم: حسين أحمد






الفنان التشكيلي الكردي ارشفين ميكائيل ( حياته وأعماله )

بقلم:
حسين أحمد
.............




ارشفين ميكائيل

فنان تشكيلي معاصر من مواليد مدينة الدرباسية - السورية- ينتمي إلى أسرة كردية وطنية متواضعة ،ترعرع في كنف هذه البلدة الصغيرة بحجمها الكبيرة بعطائها التي عاش جل شبابه فيها حتى أواخر عام( 1999) من ثم غادرها إلى هولندا ليستوطن فيها مهاجرا غريباً عن وطنه الأم سوريا ।

لقد أحس ارشفين ميكائيل بأنه يميل إلى فن الرسم و الموسيقى وهو في المرحلة الابتدائية ,كان عمره آنذاك (عشر سنوات ).وكان أستاذه و جميع الطلاب يلتفون من حوله عندما كان يرسم مشهداً معيناً في حصة الرسم أو يرسم لهم مجلة الحائط....يقول: ارشفين ميكائيل عن نفسه (عندما أصبحت في الخامسة عشرة من العمر كان آنذاك أمطار الأممية تمطر من قطب النظام ألاشتراكي على العالم أجمع وكان الأكراد أيضا مثل سواهم يضعون أنفسهم تحت المظلة الاشتراكية ,إذ كانوا يعتقدون بأن الشعب الكردي ربما يأمل أن يحصل على حقوقه القومية وكان لهذا الموقف تأثير قويا على تكويناتي السيكولوجية ).من هذا المنطلق كان يرسم بألوان الفحم الكثير من القادة والسياسيين أمثال : (ماركس،أنجلس،لينين،هوشيمن ،كيفارا،جكرخوين) ،إلى جانب اطلاعه الواسع على الرسامين العالميين أمثال : ( آرشيل غوركي وفان كوخ و ليوناردو دافينشي) ولكنه لم يتأثر بهم أبدا ).ويتابع ارشفين ميكائيل حديثه : استطيع أن أقول بأنني في التسعينات تأثرت كثيرا (بزخارف ) وبنمنمات إيرانية .كنت أنذاك عضو منتسب في المكتبة الثقافية المستشارية الإعلامية الإيرانية في دمشق. من المستحيل أن أسمي اللوحة الأولى أو الثانية أو لوحة ألألف ولكن أقول أنني أخذت أجمل لوحة من عائلتي عندما كنت أشاهد وأنا صغير كان بيتنا يبدو كأجمل فندق حيث يزورنا الضيوف من الناس والفقراء وأهل الريف والوطنيين.يقضون أحيانا شهورا ونادرا ما كنا نأكل وجبة الطعام بمفردنا .
يقول الكاتب فتح الله الحسيني في مقال له أن آرشفين ميكائيل اسم فني تربع إلى جانب أسماء فنية أخرى على عرش المشهد التشكيلي السوري برمته، فهو رسم باتجاهات مختلفة، فكان صادقاً مع فنه، لأن آرشفين سليل تجارب الأمكنة، حيث اختار المنفى الطوعي من أجل فنه من دمشق إلى بيروت واليونان وهولندا، دون التفاتة للزمن، اختار الأمكنة الفسيحة من أجل أن يتحدث إلى لوحته، بحرية تامة، بحرية دون رقيب ونفاذ ألوان، فالفنان آرشفين يلون واقعه كما هو، وواقعه حزين إلى درجة الموت، لذلك نرى في لوحاته الدم والسواد، السواد يشير إلى قدر الكردي، والدم يشير إلى الدم الكردي الأحمر المراق على الأرصفة من مهاباد إلى دياربكر فقامشلو فالسليمانية.
* * التجارب والدراسات التي خاضها .. ارشفين ميكائيل في الوطن وخارجه :

- خريج مركز( الفنون التشكيلية) بالحسكة عام( 1984) أشرف على تدريسه الأستاذ خليل عبد القادر.

- عضو في نقابة الفنون الجميلة بدمشق- سوريا.

- عضو في منظمة الدفاع الدولية .

- خريج( فرأي أكاديمي) في مدينة دلفت هولندا قسم (بوتيسيرين )النحت عام ( 2005)

- العمل لصالح مرسم المسرح العسكري قسم توجيه السياسي في مدينة ديماس عام( 1984)

حتى عام 1987العمل لصالح مرسم الفنان السوري الأستاذ ناجي عبيد عام ( 1989 ) حتى 1991 وأغلب الإعمال كانت تتضمن مناظر دمـشق القديمة بالإضافة إلى التراث السوري ورسم أيقونات المسيح على الخشب القديم، و رسم نمنمات فارسية على الجلود.

- العمل لصالح مرسم الفنانة اللبنانية المرحومة أمال نجار عام ( 1993) والأعمال كانت تتضمن الاستشراق. ترميم لوحات تاريخية قديمة وتحديثها بواسطة زيت الخص في بيروت ( 1993 )

-عشرات اللوحات عرضت في صالات وأماكن سياحية في بيروت وجزر يونانية.

-عشرات اللوحات الشرقية خصصت لصالح أستديوهات الأفلام السورية عند التواجد في دمشق.

-عرضت أغلب المعارض في الصحف وعلى شاشات التلفزة في مقاطعات ليمبورخ و زيلاند و زاود هولاند في هولندا ،وأيضاً على شاشة التلفزيون السوري في برنامج المجلة الثــقافية.

-نشرت اللوحات في العديد من مواقع على الانترنت ،وطبعت على العديد من المجلات والاغلفة للمجلدات والصحف في سورية وهولندا.

-طبعت ثلاثة ألاف نسخة من الملصقات ووزعت أنذاك عام( 1991 )،كلاهما لوحتين بعنوان،( روسيم) الوجه الفضي البراق وألاخرى( الحياة الخالدة بين أنسجة الموت)

- عشرات اللوحات مخطوطات في البلديات الهولندية ( بلدية فالس، بلدية سخيبلاودن ، بلدية دلفت،في مبنى منظمة اللاجئين لوحة بعنوان العدالة، مدينة دلفت).

- عرضت وبيعت لوحة بعنوان( غليان حرارة الصيف) في مزاد الفستيفال، دعماً لافتتاح تلفزيون مستقل جديد، بجانب كلاً من عرض مزاد آلة عزف للفنان ( شفان برور) و مزاد مخطوطة نشيد (أي رقيب )، وبحضور العديد من الرجال الأعمال،وتحت أشراف الفنان (شفان برور) نفســــه .

- قبلت عرض لوحة من قبل اللجنة الفنية في قصر المزادات ببيروت منطقة حازمية.استلام رسالة شكر وتقدير من متحف " دلفت " و من إدارة بلدية فالس و بلدية دلفت . تكريم وتهنئة من اللجنة الإدارية في فستيفال لتخرج الطلبة مونديال مدينة ماستريخت في ليمبورخ هولندا شهادة حسن وتقدير من الفنان السوري المعروف " ناجي عبيد" .ومن المعلوم أن الأستاذ ناجي عبيد هو عضو مؤسس في نقابة الفنون الجميلة بهوية رقم( 4 ) .وعضو اتحاد الصحفيين العرب من الجامعة العربية، وعضو جمعية أصدقاء الفن بدمشق ،وحائز على الميدالية الذهبية مع شهادة تقدير للرئيس حافظ الأسد،والميدالية الفضية من البنك الرافدين بالبينالي العربي الأول في بغداد ( 1974 )والوحيد في العالم العربي من قدمت عن أعماله أربع أطروحات لنيل شهادة الدكتوراه في كل من جامعة : (لينيغراد- بوزار-القاهرة- تونس) والوحيد من فناني سوريا من له لوحة مقتناة في المكتبة الوطنية في باريــس .

** التجارب والمعارض والإعمال الفنية التشكيلية التي خاضها ارشفين ميكائيل :

- معرض خاص بمناسبة يوم المرأة العالمي، سورية - الدرباسية ( 1987)

- معرض التراث الكردي المشترك مع الفنان المرحوم ( عمر حسيب) ، سورية - الحسكة( 1989)

- معرض في مركز الثقافي السوفياتي تحت أشراف الفنان السوري ناجي عبيد ،سورية - دمشق ( 1990)

- معرض في مركز الثقافي في المزة تحت أشراف الفنان السوري ناجي عبيد ؛سورية - دمشـق( 1990)

- معرض مشترك مع القاص والفنان (ماهين شيخاني )،سورية - الدرباسية ( 1992)

- معرض التراث الكردي، سورية - قامشلو ( 1993)

- معرض التراث الكوردي المشترك مع الفنانين، (أحمد كوسا، عبد الغفور رحيم، فراس ججان) - سورية - قامشلو (1994)

- معرض في (القاعة الزجاجية )،لبنان- بيروت - الحمراء ( 1994)

- معرض في( كاليري ميلانو)،لبنان ،بيروت - أوزاعي ( 1994 )

- معرض في( أرت سنتر) ،يونان - جزيرة كارباتوز ( 1997)

- معرض في سجن جزيرة( كارباتوز) ،يونان - جزيرة كارباتوز( 1997)

- معرض ليمبورخ( بارتاي فيتم) هولندا( 1998)

- معرض فستيفال ( ماستريخت ) للتخرج الطلبة، هولندا (1999)

- معرض( الكرادة ) ليمبورخ، هولندا( 1999)

- معرض مشترك مع الفنان النحات العراقي المرحوم أنور جميل هرمز جزراوي( الكرادة) ليمبورخ ، هولندا( 2000)

- معرض كاليري ( مستشفى دلفت)، (زاود هولندا) ،هولندا( 2000)

- معرض كاليري( مستشفى زيرك زي) ،زيلاند ،هولندا (2001 )

- معرض كاليري( كلارا ) روتردام ،هولندا (2001)

- معرض( زيكن هاوز روتردام )،هولندا ( 2001)

- معرض مشترك مع فنانين يوغوسلافي وعراقي في فستيفال لتخرج الطلبة( مونديريان)، مدينة دلفت ،هولندا (2002)

- معرض كاليري( بيد فيخ زيرك زي) , زيلاند ،هولندا (2002)

- معرض كاليري( دافيسل) سخيدام ،هولندا ( 2003)

- معرض ( بيبلوتك سخيدام) ،هولندا ( 2003)

- معرض في صالة ( فرأي أكاديمي دلفت ) ،هولندا ( 2004)

- معرض في هواء الطلق أمام البرلمان الهولندي في مدينة (لاهاي) ،هولندا( 2007)

- معرض في هواء الطلق بمناسبة عيد المليكة، با تركـــس، حديقة( ناسولان دلفت) ، هولندا( 2008 )

في الختام وقد أكد الكاتب فتح الله الحسيني : إن تجريه الفنان التشكيلي الكردي السوري آرشقين ميكائيل، هي تجربة نابعة من الحزن الإنساني، لأنه بكل بساطة نتاج واقع متخبط، واقع أليم، واقع يطمس الحجر والبشر والشجر معاً، لذلك نرى في ألوان آرشفين الظفر الإنساني، والنصر للحرية دائماً، رغم ما ينتاب اللوحات من سواد، ولكن ذاك السواد يضفي على اللوحة الرونق والألق معاً، لأن الفنان نتاج واقعه, ألوان الفنان آرشفين، تمنحك الروح التي تكاد أن تهدرها، فهي تمنحك الشجن، وكأنها تقول لك، هذا هو الجانب الإنساني من الحياة فلماذا علينا أن لا نرى ما يجب أن نراه.

المراجع :

الفنان ارشفين ميكائيل - بقلم الكاتب فتح الله الحسيني .

لقاء مع ارشفين ميكائيل - حاوره : لقمان تعلو .

معلومات عامة - تم الحصول عليها من خلال المواقع الانترنيت ।



























































الخميس، 7 أكتوبر، 2010

المتعة والإقناع والتأثير قراءة في قصة ( الماء نبض الحياة ) للشاعر بهاء الدين رمضان..بقلم الناقد: محمود رمضان الطهطاوي


المتعة والإقناع والتأثير


قراءة في قصة ( الماء نبض الحياة ) للشاعر بهاء الدين رمضان




الشاعر بهاءالدين رمضان

بقلم الناقد: محمود رمضان الطهطاوي

Mahmood Altahtawi

الروائى والناقد محمود الطهطاوى


وسط القليل من كتب الأطفال ومجلاتهم ، نجد النادر الفاعل والمؤئر تأثيرا أيجابياً في شخصية الطفل العربي ، وما يقدم من مطبوعات بكل أشكالها ماهي إلا مجرد تسلية للطفل ، والتي تقدم لنا قيماً نجدها متأثرة بما هوغربي ، بعيدة تماما عن واقع الطفل العربي –بإستثناء القليل النادر - ، ولاقيمة للأدب مالم يمتع ويقنع ويؤثر ،هذه الثلاثية لابد من وضعها أمام أعيننا ونحن نكتب للطفل ، فالطفل يبحث أولا عن المتعة ، تلك المتعة التي تشده وتجذبه ولو كان بناء العمل الأدبي جافا وغير جاذب لأبتعد الطفل عنه ، ثم تأتي مرحلة الإقناع التي لابد أن تتفهم جيدا المرحلة العمرية للطفل ، وتقدم له مادة تتناسب ومرحلته العمرية ، فالطفل لن يقتنع بما يقدم من قيمة إلا إذا اقنع بها ، ثم تأتي مرحلة التأثير وهي المرحلة الأهم فالقالب الذي يقدم للطفل مالم يؤثر فيه ويغير من سلوكه وقيمه ومفاهيمه أصبح قالبا عقيما لا فائدة منه ، وسقط العمل الفني / الأدبي .

ولعل من أسباب تخلف المنظومة التعليمية العربية ، تلك المادة التي تقدم للطفل بطريقة الحشو دون مراعاة تلك المنظومة (المتعة والإقناع والتاثير ) ، فاصبح الهم الأوحد حفظ الدرس لينجح آخر العام ، واستمرت هذه الفكرة حتى يتخرج من الجامعة ، فوجدنا أمامنا شبابا لا يستطيع أن يقدم شيئاً جيدا وجديدا ومبتكرا لأننا لم نعوده على التفكير ولم نقنعه بما نقدم له من مادة تعليمية ولم نؤثر فيه ، فأصبح مجرد دمية تحركها المادة التعليمية وتلقنه أفكارا بدون أن يفكر هو ، وتمده بمادة لاتساعدة على التفكير والمشاركة الإيجابية .

لقد أدرك رفاعة رافع الطهطاوي رائد التنوير أهمية أدب الطفل في تنوير مدراك الطفل وبناء شخصيته ، فأصدر في القرن الفائت مجلة ( روضة المدارس ) لتكون مجلة رائدة في وقتها ، وسابقة تحسب للطهطاوي .

تقول سمر إبراهيم : (أن الهدف الحقيقى لكافة الفنون المقدمة للطفل هى المتعة وخلق شخصية مبتكرة تطور وسائل المعرفة وتنظمها ) ([1])

من هذا المنطلق فإن أدب الطفل أحد روافد الثقافة ، وأحد روافد منظومة التغيير ،وأحد روافد استقاء القيم ، وتكامل الشخصية ، لابد أن يقوم بدوره المنوط به بعيدا عن الرطانات الغربية ، مستقي تجربته من واقعنا المعيش ، آخذا من الطفل ذاته دور الفاعل لا المفعول به ، حتى يتعود الطفل على المشاركة الإيجابية الفاعلة ، وأن يستقي المعرفة بنفسه حتى تترسخ في ذهنه ،ويشعر بقيمة ما وصل إليه ، بعيدا عن التقلين العقيم الذي يعتم شخصية الطفل .

يقول (فاروق مواسي) : (من أهم ما يميز أدب الأطفال أنه يتمثل في كشف جوانب معرفية للطفل وإضاءتها ، وتقديم مادة ما بمستوى أدبي مع التركيز على كيفية عرضها ، وكذلك في التوجيه والإيحاء من خلال النص بأسلوب ميسر . إنه يعمد إلى إشباع حب الاستطلاع لدى الطفل، وإلى تنمية خياله ، وإلى مخاطبته حول طبيعة الإنسان والإنسانية عامة وإنجازاتها، وصولاً إلى استكشاف العوالم المختلفة حوله .

هذا الأدب عليه أن يوفر المتعة والفهم ومحاولة ترك الأثر- أثرٍ ما في نفسية الطفل وفي أفعاله). موقع القصة السورية

ومن هذه الرؤية نقدم قراءة تطبيقية لقصة (الماء نبض الحياة) للشاعر بهاء الدين رمضان ، الصادرة عن " مكتب التربية العربي لدول الخليج " عام 1427هـ/ 2006م للمرحلة العمرية الأولى ( من سن الثامنة إلى سن الثانية عشرة ) .

والمطالع للقصة يلحظ مدى الجهد الذي بذله المؤلف ،وهويحاول أن يقدم لنا قصة تربوية ، تعليمية ، علمية ، حشد لها كم هائل من المعلومات استطاع أن يصهرها في قالب قصصي ، ويبسطها للطفل ليستطيع هضمها ، بل ليتشوق لمعرفة المزيد ، من خلال رحلة تشوف ومشاركة في البحث والتعرف على المعلومة ، ولاشك إن هذا الأسلوب الجاذب لتقديم المعلومة ، نفتقده كثيرا في وسائلنا التعليمية النمطية .

والكاتب يقسم القصة إلى مجموعة عناوين ، لا تفصل سياق الحدث بقدر ما هي مجرد وقفة / محطة لمواصلة الرحلة ، رحلة التشوف والإكتشاف لمعرفة المزيد عن " الماء " البطل الحقيقي للقصة ، الذي يلهث خلفه ويتسابق الجميع لمعرفة كل شئ عن عنصر الحياة ، بدءا من السطر الأول للقصة حتى النهاية ، بشكل متنامي ، واستطاع الكاتب أن يشد القارئ بهذا التسلسل والسلاسة في طرح المعلومة ، ومحاولة الربط بين ما يقدم من معلومات بطريقة جاذبة ومحببة للطفل .

ولا يكتفي بأن يكون رب الأسرة هو الشارح والموضح ، والمسيطر على جوهر ولب العمل والعارف لكل شئ – كما نجد في معظم القصص – ولكن يشارك الأولاد في طرح المعلومة ، ولا يكتفي الأب بتقديم المعلومة نظريا ، بل يمارس عمليا ويذهب بالأولاد إلى البحر ، ومحطة المياة ،ويقدم تجارب حية / تطبيقية لترسخ المعلومة في الذهن ،من خلال المشاهد في البيت ، وينجذب الأطفال وهو يشاهدون التجربة والبرهان ، ويشاركون في صنع الحدث وتحويل المعلومة إلى واقع معيش . كل هذا نجده في سياق الأحداث التي تتوالى وهي تقدم المعلومة بسلاسة ، ورغم جفاف المادة العلمية وصلابتها ، إلا إن الكاتب استطاع أن يصهرها في سياق الحدث ويبسطها فتصبح سهلة طيعة ، تتماشى مع الحدث وتجدب الطفل وتمتعه وتقنعه وتؤثر فيه ، وهذا هو المطلب والمقصد المنشود .

فنجد في النهاية قد خرجنا بكم كبير من المعلومات عن الماء من مصادر مختلفة بالإضافة إلى تلك القيم التي تبثها القصة بشكل غير مباشر ، والذي يحاول الكاتب أن يوزعها مع الحدث ، وان يوجدها أثناء طرح المعلومة دون أن تخل بسياق القصة ، وبناء العمل الأدبي .

وحتى نخرج من الإطار النظري نحاول أن نقدم تطبيقا لبعض ما طرحناه ، ورغم طول القصة الذي تأخذ مساحة (40) صفحة من الحجم المتوسط إلا إننا لم نشعر بطول القصة رغم بنط الخط الصغير الذي لا يتماشى مع هذه المرحلة العمرية ، والذي يجمع فيها الكاتب بين مراحل عمرية مختلفة ، فالمعروف بأن قصص الأطفال تنقسم إلى ثلاث مراحل عمرية : المرحلة الأولى وهي المبكرة من 3 : 6 سنوات ، والمرحلة الثانية المتوسطة من 7 : 9 سنوات ،والمرحلة المتأخرة من 10 : 12 سنة ، وكل مرحلة من المراحل تحتاج إلى لغة خاصة ، وصياغة للحدث تختلف عن الأخرى ،وخطوط معينة ، ورسومات إيضاحية خاصة ، والكاتب هنا جمع بين المرحلتيين المتوسطة والمتأخرة واستطاع بأسلوبه وسرده أن ينجح في ذلك ، ويقدم لنا قصها يفهمها ويدركها ويتجاوب معها الأطفال في هذه السن (8 :12) .

ولا نستطيع أن نلخص القصة ، فتلخيصها يخل كثيرا بما تقدمه من طرح .

فالقصة رغم طولها مكثفة جدا ، ورغم هذا الكم الهائل من المعلومات إلا إننا لم نشعر بأي خلل ، أو ممل ونحن نتابع سياق الأحداث . لأن الكاتب استطاع أن يربط هذه الأحداث بالمعلومات ، بتلك العناوين الفرعية التي تنقلنا من معلومه إلى أخرى دون أن تخرجنا عن الإطار العام المنشود ، فلا نستطيع أن نتوقف عن متابعة الأحداث حتى النهاية .

لقد استطاع " بهاء الدين رمضان " أن يقدم لنا كتاب شامل عن الماء يضم بين أوراقه الكثير من المعلومات في قالب قصصي جاذب وهادف حقق الهدف المنشود .

لقد استطاع الكاتب أن يوجد مساحة كبيرة من الألفة بين أبطال القصة والماء ، وأن يوجد تلك العلاقة الحميمة بين الطرفين ، وأن يوجد الأستعداد النفسي لتلقي المعلومة ،وأن يجعل الطفل فاعلا ومشاركا في البحث عن المعلومة بمشاركته وتقديم التجربة أمامه ، ووضعه في مكان الحدث ليتشوف ويستمتع باللحظة المعيشة ، ويندمج مع الواقع ويتفاعل بكل كيانه مع الحدث كما قلنا –مشاركا – كل هذا هو الذي صنع الألفة والعلاقة الحميمة ، التي انصهرت في بوتقة الحدث وتجاوب معها الطفل مغامرا ومشتاقا لمعرفة المزيد .

التشويق

التشويق أحد العناصر الهامة لجذب الطفل للقراءة ، بدءأ من اللغة المستخدمة والصور الموضحة ، وطريقة السرد ، والبساطة في العرض ، وقد يتصور البعض أن البساطة سهلة ويسيرة ، ولكنها أشد وعورة للكاتب من التعميق ، لأنك تنزل إلى المرحلة العمرية للطفل ، وتتحدث بلغته التي يفهمها ، وتشده إلى عالمه الذي يفهمه ، ومن هنا فإن الكتابة للطفل من أصعب من الكتابة للكبار ، وإن كان لكلٍ فنيات لابد أن تتوافر .

ونلج إلى القصة :

تبدأ القصة بهذا الجو العائلي الذي تسوده لمسة حب وألفة بين الجميع ، ونلحظ أن الكاتب يحاول أن يستفيد من سياق الحدث ويدخل في الموضوع بدون مقدمات ، فالجو شديد الحرارة ، وسالم يأخذ كوب ماء من الثلاجة ، فيبتسم الأب وهو يردد الآية الكريمة بعد أن يسمي بأسم الله : ( وجعلنا من الماء كل شئ حي أفلا يؤمنون ) سورة الأنبياء الآية (30) ، و يبدأ الحوار بين أفراد الأسرة ، فيذكر سالم بأننا لا نستطيع أن نصبر على الطعام وأي شئ آخر ولا نستطيع الصبر عن شرب الماء ، فيؤكد الأب أن الحياة تنعدم بغير الماء ، ثم يذكر سالم أنه قرأ كتابا عن الماء ورد فيه ذكر الماء في القرآن الكريم في 63 آية ، ثم تدخل الأم لتقدم لهم أكواب العصير وتبدو فيها قطع الثلج ، فينتهز الأب الفرصة ليشرح لسالم الصور التي يوجد عليها الماء ، فالثلج هو الصورة الصلبة والعصير هو صورته السائلة ، وهكذا تدور الأحداث وتصنع المواقف لحظة خروج المعلومة في سياق الحدث ، ويشارك الجميع الأب والأبن ( سالم ) والأبنة ( هند) والأم ، في تنامي طرح المعلومات التي تتدفق في القالب القصصي بصورة مشوقة ، وبناء محكم ، ولو حاولنا تتبع الحدث والوقوف على ما طرحه الكاتب وسط السياق ، وداخل هذا البناء المحكم لأحتاج الأمر لأضعاف عدد صفحات القصة ، ولكن نكتفي بهذا المثال.

يقول عبد الفتاح أبو مِعال([2])«ولما كان الإحساس بالحاجة إلى المعرفة عند الأطفال جزءاً من تكوينهم الفطري لأن غريزة حب الاستطلاع تنشأ مع الطفل وتنمو معه، ومحاولة الطفل التعرف على بيئته تعتبر من العوامل الهامة التي إذا عولجت بحكمة؛ فإن ذلك يؤدي إلى تنمية ما يمكن أن يكون لديه من إمكانات وقدرات».

منظومة القيم

وندلف إلى شئ آخر ، وهو تلك القيم التي حاول الكاتب إبرازها وطرحها في سياق الحدث ، وتنقسم القيم / الأهداف عند الكتابة للطفل إلى مناحي عدة ، فمنها القيم العقدية ، والقيم التعليمية التربيوية ، والقيم الترفيهة ،ولاتقل قيمة عن أخرى ، فكل قيمة من هذه القيم لها دورها الفاعل والمؤثر، فنجده يقدم لنا بصورة خاطفة بعض القيم التربوية التي تتماشى مع الأحداث بصورة غير مباشرة ، ونضرب بعض الأمثلة :

فعندما تقول هند لسالم بأن لديها معلومات كثيرة عن أهمية الماء ، يعترضها سالم ويقول لها : لا أريد أن أعرف منك شيئا فقد أوضح لي أبي الكثير ، وعندما يسمع الأب ذلك يغضب ويقول لسالم : لا يا سالم ، يجب على الإنسان ، ألا يتكبر عن العلم ، بل يأخذه من الصغير والكبير ،وما يدريك ؟ لعل عندها من العلم ما لم نتحدث عنه ، وعندما يسمع سالم من أخته المعلومة يعتذر لها في خجل .

تلك قيمة تغرسها القصة في عقل الطفل بصورة غير مباشرة ، وبعيدا عن الوعظ والإرشاد ، بل جاءت ضمن تسلسل الأحداث وسياق الحدث وبناء القصة وجوهرها .

بالإضافة إلى قيم المشاركة التي تزخر بها القصة ، تظهر جليا وبوضوح من خلال مقطع ( رحلة مع قطرة ماء ) التي تتكئ على حلم لسالم الذي رحل مع قطرة ماء وينزل مع المطر في قرية ، كل أهلها مرضى ليكتشف أنهم مرضى نتيجة ما فعلوه بالنهر ولوثوه بفضلاتهم ، فيقوم بمساعدتهم بتوعيتهم ، ويجمع أطفال القرية لمحاولة صنع مستقبل مشرق بالجد والعلم والعمل .

وأيضا من القيم التربوية التي تطرحها القصة في سياق الحدث ، نجده في مقطع ( رحلة إلى البحر ) ، فبعد رحلة ترفيهية ، تثقيفية إلى البحر ، شكلها الكاتب في حوارية رائعة أضافت للقصة الكثير من أهدافها المنشودة ، وبعد أن جلسوا وتناولوا الطعام ، يقول الكاتب ( أخذت هند تجمع بقايا الأطعمة والعلب الفارغة في كيس ثم مضت نحو البحر فجرى سالم وراءها يستوقفها ويأخد الكيس منها ويمضي به نحو صندوق مخصص لجمع القمامة على بعد مسافة منهم ووضعه فيه ) ، ويؤده والده ويشكره لأن هذه المخلفات تلوث المياه ، ويعدد مصادر التلوث مسترشدا بحديث نبوي شريف .

لقد استطاع الكاتب أن يقوم بعمل توعية ، وأن يطرح مخاطر تلوث الماء بهذا البناء ، بعيدا عن الشكل الوعظي ، ودون أن تخل بالقالب العام للحدوتة ، ومن خلال أنسنة الجمادات وهو شكل محبب عند الطفل ويتفاعل معه وينجذب إليه .

وأيضا تظهر روح المشاركة في المقطع التالي ( جماعة ترشيد المياه ) فنجد هند تقوم بتلك الجماعة ، ويشاركهم الأب ، والأم التي تؤكد بأنها ستقوم بإرشاد ربات البيوت صديقاتها إلى أهمية الماء ولزوم الاقتصاد فيه .. الخ .

أما القيم العقدية فتزخر بها القصة من الأسطر الأولى ، ويظهر هذا جلياً بالأستشهاد بالآيات القرآنية ، والأحاديث النبوية ، وبث بعض القيم الدينية في سياق الحدث .

القصة في مجملها رحلة علمية ، تربوية مشوقة ، استطاع الكاتب من خلالها أن يقدم لنامادة علمية في قالب قصصي ماتع ، دون أن يشعر الطفل بكثافة والمعلومات وكثرتها لأنها قدمت له بسلاسة وعذوبة وشارك في طرحها من خلال أبطال القصة ، وبل وشاهد تجارب حية لترسخ المعلومة في ذهنه ، بالإضافة إلى متعة الحدوتة التي انصهرت واندمجت في سياق ما قُدم من معلومات استطاع الكاتب أن يبسطها للطفل بمهارة وجهد المتمرس.

الخيال

نتوقف عند نقطة هامة وهي الخيال ، لقد توقف المحللون لأدب الطفل عند هذه النقطة كثيرا ، وأنقسموا إلى طرفين نقيضين ، الطرف الأول يرى في الخيال بأنه يشد الطفل ويخرجه من عوالمه إلى عوالم رحبة تذهبه بعيداً عن عالمه المكبل بالمشاكل ، وبالتالي يتحرر الطفل ويصبح أكثر إبداعا وتألقا .

والبعض يرى أن الخيال المطلق ، يجعل الطفل يعيش حالة من الإنفصام ، والخروج عن واقعه ، وبالتالي يفقد القدرة على مواجهة مشكلات الواقع .

وقد أميل كل الميل للرأي الثاني ، فالخيال ضروري في أدب الطفل ، ولكن لابد من تحجيمه وربطه بالواقع المعيش ، وكاتبنا في هذه القصة ، ومن خلال مقطع ( رحلة مع قطرة ماء ) حلق في عالم الخيال ، دون الإغراق والجموح والخروج من أرض الواقع ، فمزج بين الحلم والواقع بما يخدم الحدوتة دون الخروج إلى عالم الخيال الأسطوري الذي قد يكون مردوده التربوي عكسي في كثير من الأحايين كتلك القصص التي تقدم للأطفال وتجمح في الخيال وتأسطر البطل ( السوبرمان ) ، وتسهب في العنف والقسوة والصراع الدامي .. الخ .

نجد الكاتب في هذا المقطع ، من خلال حُلم كما نكتشف في نهاية المقطع ، تأخذ قطرة ماء الأبن (سالم ) وتهطل به في قرية أهلها كلهم مرضى من جراء تلويث الماء ، ويقوم بمساعدة أهل القرية مع طفل آخر ، وعندما العودة يصحو نومه .

بساطة الفكرة التي أضاف إليها الخيال المنمق ، والذي يتمزج بالواقع ، أضافت كثيراً إلى جماليات القصة ، وهدفها .

إنه الخيال الذي يصب في أرض الواقع ، ليصنع المتعة ،ويحقق الفائدة المرجوة .

وبعيدا عن التحليل النفسي الفرويدي الذي يذكر بأن الأحلام هي في الحقيقة محاولة لإشباع رغبات حقيقية متخيلة ، نجد الكاتب ينجح في من خلال الخيال أن يزرع في الطفل كثير من قيم المشاركة والتعاون ، ومن خلال أنسنة الجمادات وهو أسلوب محبب ومشوق للطفل .

وبعد :

إن ما قدمناه مجرد إطلالة على قصة ( الماء نبض الحياة ) وهي قصة زاخرة بالمعلومات والقيم التربوية ، استطاع الكاتب أن يقدمها للطفل العربي بصورة تتناسب ومرحلته السنية ، وما احوجنا في نظامنا التعليمي إلى الأدب ليعالج مناهجنا التعليمية العقيمة التي تحجر العقول ، وتقف عثرة في وجه الإبداع .

المرسل

محمود رمضان محمد حمودة

إدارة شباب طهطا

رمز بريدي 82621

سوهاج - مصر

[1] -١٣ نيسان (أبريل) ٢٠٠٦ ، بقلم سمر إبراهيم ، موقع ديوان العرب ، شبكة الإنترنت .

[2] - مجلة التوثيق التربوي، وزارة المعارف السعودية، عدد 36، ص 86. نقلا عن عن مقال ( لمحات في أدب الطفل ) إبراهيم بن سعد العقبل ، موقع ( صيد الفوائد ) .

الأربعاء، 6 أكتوبر، 2010

عبدالمنعم عواد يوسف ..الشاعر فى غربته.. بقلم د/أحمد الصغير



عبدالمنعم عواد يوسف
..الشاعر فى غربته..

بقلم د/أحمد الصغير

..............


عندما يبتعد الشاعر عن وطنه أو يسافر بعيدا يبتعد الو طن عنه ويتنكر له بل يبالغ في جحوده ، هذا ما حدث مع الشاعر عبد المنعم عواد يوسف ، الذي نشأ شاعرا رقيقا بسيطا عندما نشر أول قصيدة له في مطلع الخمسينيات بعنوان الكادحون ، ، وبداأ صوته الشعري في النضج والتحقق ، ، ولكن عندما سافرا إلي الامارات العربية المتحدة في مطلع الستينيات ، ضاعت هيبة الشاعر في بلده ونظر له الشعراء نظرة استعلاء وتكبر لأنه باع الشعر من أجل المال ،ومن ثم فقد راح الشاعر ينشر المجاميع الشعرية مجموعة إثر مجموعة ، ويقول عنه الناقد أحمد مجاهد في مقاله الأسبوعي في جريدة الشروق المصرية

كان الفتى المولود عام 1933 بشبين القناطر طالبا بالصف الثانى الإعدادى عندما اندلعت

حرب فلسطين عام 1948 ، فكتب قصيدة يقول فيها:
< دماء تسيل ودمع يسيل وهذا يقوم وذاك يميل وشعب ينادى فيأتى الرفاق يقولون جئنا نصد الدخيل وسمعها معلمه فأشاد بها ونصحه بدراسة اللغة العربية لصقل موهبته، وكذلك فعل حين
التحق بقسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة القاهرة عام قيام الثورة 1952

وهو طالب بالمرحلة » البعكوكة « وكان الفتى الذى أتقن موسيقى الشعر من كتابته للزجل فى

الثانوية ينحاز انحيازا واضحا للبسطاء، لهذا فضل حين قرر أن يستكمل مسيرته الشعرية

بالفصحى أن يهجر الرومانسية إلى الواقعية، وأن يخرج عن إطار الشعر العمودى الغنائى

الخالص إلى ساحة شعر التفعيلة الأنسب من وجهة نظره للقصائد الواقعية، فكتب عام

1952 أول قصائده التفعيلية عن الفلاحين الكادحين، حيث يقول:

الكادحون

عادوا إلى أكواخهم عند المغيب

يتعاقبون

عادوا وفى نواظرهم ذل السنين

عادوا وبين ضلوعهم همٌّ دفين

يتتابعون

والبؤس يبدو فى اختلاجات العيون

وإذا كانت العبرة فى التأريخ لبدايات قصيدة التفعيلة بالنشر وليس بالتأليف، فإن

التى كتبها عام 1952 وألقاها 1953 نشرت » وكما يموت الناس مات « قصيدته التفعيلية

بمجلة الرسالة الجديدة فى أبريل 1955 ، وهى تظل بتاريخ نشرها ثانى قصيدة تفعيلية

وأسبق ،» من أب مصرى إلى الرئيس ترومان « مصرية بعد قصيدة عبد الرحمن الشرقاوى

من كل ما نشر لصلاح عبد الصبور رائد شعر التفعيلة فى مصر.

وانطلق شاعرنا المجدد يتغنى بالثورة وإنجازاتها وبالوحدة العربية ويحصد الجوائز الأولى

فى مهرجان الشعر بدمشق عامى 1960 و 1961 ، ومن رابطة الأدب الحديث بمصر عام 1962

عناق « فى الاحتفال بالعيد العاشر للثورة، لكن هذا كله لم يشفع له فى نشر ديوانه الأول

أول تنازل يعرفه الشاعر فى حياته، حيث اشترط عليه الذى صدر عام 1966 ب » الشمس

العقاد مقرر لجنة الشعر بالمجلس الأعلى للفنون والآداب أن تكون كل قصائده من الشعر

العمودى فوافق طمعا فى النشر.

ولم يمر على هذا التنازل الفنى أكثر من عام واحد لتحل هزيمة 1967 وتُحطم حلم الشاعر

الثورى، فيقدم تنازلا سياسيا متمثلا فى ترك الوطن الجريح والذهاب مبكرا جدا إلى دولة

الإمارات للعمل مدرسا للغة العربية، وظل بها حوالى ربع قرن حتى عام 1992

لهذا كان طبيعيا أن يسجل الشاعر عند عودته زائرا عام 1970 تعليقات الأصدقاء التى

أنكرت شاعرا كبيرا ترك الساحة الأدبية الأكبر فى الوطن العربى لسنوات طويلة، ثم عاد

ليتحسس موقعه فيها، حيث يقول على لسانهم:

» فهذا الذى عرفناه بالأمس مات «

» وهذا الذى لم يزل ماثلا ليس إلا رفات «

»؟ ألا تبصر الموت فى نظرته «

»؟ ألا تسمع الجدب فى نبرته «

ترى يصدقون،

فيا للأسى إن يكن قولهم فيه بعض الحقيقة!

وقد انتقل شك الشاعر فى أنه قد خسر رصيده الأدبى والاجتماعى الذى بددته الهجرة

الطويلة، إلى ساحة التأنيب الصريح للذات عند تعلق الأمر بمراجعة الموقف السياسى، حيث

:» هجائيات « يقول فى قصيدة

مدانٌ أنا، مثلما كلكم مدانون، ليس بريئا أحدْ

تركناك يا وطنى، وانطلقنا

وراء الدراهم، نحسب أنَّا سنجمع تبرا،

ألا ليت شعرى، ومالا لبدْ

ومر الزمان، وشيئا فشيئا

نسينا البلادا.. استحلنا جمادا

دُحمَى لا تس، نسينا الديار، تركنا البلدْ

على أن موهبة شاعرنا المجدد بطبيعته دفعته فى أواخر أيامه إلى كتابة القصائد بالغة

بل إنه كان من أوائل المبشرين بها أيضا كما يتضح ،» قصيدة الومضة « القصر المعروفة باسم

التى كتبها عام 1980 ، وهى تتألف من مقاطع » ثلاثيات: لا تخلو من الحكمة « من قصيدته

منفصلة يقول فى أحدها:

كسرت رمحى حينما وجدت فى هذا الوجود من يناجزون بالكلام

ما حاجتى إلى الحسام؟

وكلمةٌ واحدةٌ توردنى موارد الموت الزؤام

والحقيقة أن المنعطفات والعراقيل التى واجهت رحلة شاعرنا قد منعت موهبته التى

بدأت شامخة من أن تصل إلى ما كانت جديرة بالوصول إليه، فقد كتب يقول فى بداياته

: عام 1952

وكما يموت الناس مات

لا لم تنح أرضٌ عليه، ولا تهاوت شامخات

لا لم تشيعه الطيور إلى القبور مولولات

وكما يموت الناس مات



2010رحم الله شاعرنا الرقيق عبدالمنعم عواد يوسف الذى فارقنا يوم الجمعة 17 سبتمبر

الاثنين، 4 أكتوبر، 2010

الأماكن والناس والحياة شهادة للشاعر/حسين القباحي








الأماكن والناس والحياة


شهادة

للشاعر/حسين القباحي



على أي درب ستورق الكلمات حين أفتح لها باباً إلى فضاءات تطلون منها على ذات تعلن عن نفسها في كل حرف قالته أو خطته لتفضح بها ما حاولت ستره عني وعنكم..
والسؤال الذي أطرحه عليَّ الآن هل أخفيت شيئاً يمكن أن تضيفه هذه الشهادة بعد ربع قرنٍ تقريباً من الكتابة والبوح أنجبت أربع مجموعات شعرية؟، لا أظن.. ولكن فليكن المزيد من الفضفضة المتربصة بما لم أصرح به، وربما جاهدت في إخفائه.
هي مجموعة ليست قليلة للأماكن، والشخوص، والأوقات تداخلت خيوطها أحتار بأيها أبدأ، وقد يجرني بعضها عنوة إلى بعضها الآخر، دون إرادة أو تخطيط.

الأماكن

شجرة زيتون عتيقة



على ساحل رملي ممتد إلى ما لا نهاية ينتشر عليه زبد البحر، حيث تتكسر الأمواج المتتالية بلا هوادة، وأطفال دون الخامسة يبنون بيوتهم الرملية التي سرعان ما تجرفها مياه البحر.. صورة باهتة أتبين بعد سنوات طويلة أنها لشاطئ مدينة العريش، حيث كان يعمل والدي رحمه الله ونعيش معه قبل انتقالنا إلى مدينة الأقصر الموطن الأصلي للعائلة.

نجع القباحي


البيوت الطينية المتلاصقة فوق الرديم الترابي على جانبي ترعة قديمة، هي في حقيقتها مصرف لمياه فيضان النيل المتكرر كل صيف، والذي يتحول بعده النجع إلى جزيرة صغيرة تحيطها اللجة من كل جانب، والصبية الصغار يقضون يومهم بين السباحة عرايا، وتسلق النخيل، وسرقة كيزان الذرة أو ثمار البطيخ من الحقول التي غرقت أو أوشكت، ولعب الحجلة على الجسر الترابي، الذي يكافح الأهل ويحرسونه ليل نهار ليظل متماسكاً ولا ينهار فجأة أمام سطوة الماء فتغرق معه البيوت ويرتفع صراخ النسوة وولولاتهم وينهد حيل الرجال ليكبحوا جموح الماء، بينما الصبية الصغار منصرفون إلى لهوهم ومطاردة الثعابين التي تخرج من شقوقها كلما تسرب إليها واستغلال غفلة الكبار ليظفروا برحلة مائية مجنونة على طوف البراميل الذي يقومون بحل حباله من أمام أحد البيوت.. ليكتشف بعدها أهل الدار أنهم فقدوا وسيلة اتصالهم الوحيدة بعالم النجع وما يحيط به من أطراف المدينة.

المقعد الحجري المكسور


خلف جامع المقشقش المواجه مباشرة لطريق الكباش وواجهة معبد الأقصر وتلميذ الابتدائي الذي قطع الطريق من النجع مشياً على الأقدام، وسار في غير الطريق الذي يسلكه أقرانه ليجلس في هذا المكان، يلتهم كسرة العيش الشمسي المحشوة بالجبن والطماطم أو سمك البساريا المشوي في الفرن البلدي، مستمتعاً بالمقارنة بين أشكال الكباش الحجرية الممتدة على جانبي الطريق الخارج من المعبد ليختفي تحت رديم البربة والبيوت القديمة، أو مطالعة الوجوه الملونة للغرباء الكثيرين الذين يقفون مبهورين أمام الأحجار الكثيرة المرصوصة أو يميلون برءوسهم إلى الخلف ليروا تيجان الأعمدة الشاهقة، بينما رطاناتهم المتشابكة تزيد من إعجاب التلميذ الصغير بالنقوش الغامضة التي يشير إليها الأقصري الوحيد الذي يقف بينهم متباهياً بجلبابه البلدي والخيرزانة الرفيعة التي يلعب بها بين أصابعه، يشعر الصبي الصغير أن الوقت قد فات، واختفى تلاميذ المدارس من الشوارع القريبة؛ فيعدو مسرعاً وهو يعرف أنه سيعود ثانية إلى هذا المكان في صباح اليوم التالي.
نيل أسوان والمرسى الخشبي المتهالك أمام معسكر سلاح التعيينات شمال المدينة والمراكب الشراعية التي تلقي بالوجوه السمراء القادمة من غرب أسوان داخل المدينة، بينما يتسلى فتى الإعدادي بمراقبة الفتيات الناهدات والمراكب الشراعية التي ترفع الأعلام الملونة لدول أجنبية، وتبدو البيوت ذات الواجهات المطرزة برسومات غامضة تأتي من عوالم سحرية بعيدة من خلف الجنادل الجيرانيتية المعترضة على جريان النيل إلى قدره الشمالي المحتوم، موهماً أباه المشغول بزراعة بعض أحواض الجرجير والملوخية والكمون والكسبرة بأنه مشغول أيضاً بالمذاكرة ومتابعة دروسه، بينما شخبطاته الأولى على هوامش الكتب المدرسية تكبر شيئاً فشيئاً لتبرز بعض ما تخفى من جموح وجنوح وراء نبوغه المدرسي الذي يريده الوالد الطموح لولده الوحيد.

سور الأزبكية وكازينو لاباس


وسط الحديقة, عين شمس الشرقية, شارع يوسف عباس، شارع نجيب الريحاني، و26 يوليو، شارع عبد العظيم مسعود، وحارة عبد الباري, خان الخليلي وشارع المعز, حديقة الأندلس وكوبري قصر النيل, وسط البلد ومحطة مصر, الأزهر والحسين ومسجد الرفاعي والسلطان حسن، السيدة زينب والسيدة نفيسة, معرض الكتاب والأوبرا, قصر الغوري والخيامية, العتبة وشارع محمد علي، قصر بشتاك، وحارة اليهود وقلعة صلاح الدين،.. القاهرة الفاطمية بكل تفاصيلها وعوالمها.
فندق سافوي أمام محطة سوهاج بمبناه المتهالك وغرفته الضيقة في الطابق الثالث، وطبق الفول النابت الذي أدمنته على الإفطار واعتاد عم دسوقي أن يصعد به إلي كل صباح ثم يجادلني لماذا أنا لا أذهب إلى الكلية ما دمت جئت إلى سوهاج.. هناك وخلال أربع سنوات غير متصلة قرأت معظم ما أعيش عليه إلى اليوم. كان يكفيني لاجتياز الامتحانات في فروع التاريخ المختلفة أن أتفرغ لمدة أسبوعين قبل الامتحانات وفي غيرهما قضيت معظم السنوات الأربع فى قراءة الفكر الاشتراكي وأمهات الكتب ثم الغث والثمين من إصدارات الشعراء والكتاب والنقاد وأيضاً الفلسفة وعلم الجمال. كنت أحضر في مدرجات الأقسام الأخرى لكلية الآداب أكثر مما أحضر في قسم التاريخ وفيه كانت تستهويني مجالات الإبداع الإنساني في الدين والمعتقدات والمنجز الأدبي والفلسفة والخطابة والرسم والنحت والزراعة والهندسة وغير ذلك. في هذه الغرفة المتهالكة جالست واستمعت بعضا من قيادات الفكر السلفي والجهادي في جامعات جنوب مصر أواخر السبعينيات وقرأت عدداً لا بأس به في تنظيرات هؤلاء وأوراقهم ومعظم نشرات وكتب محمد بن عبد الوهاب وتراث الأئمة الأربعة وفكر ابن تيمية في هذه الغرفة أيضاً طالت لحيتي ومزقت أوراقي التي كتبتها وأشعار البدايات السبعينية، أعادني والدي رحمه الله إلى توازني عندما منعني من دخول البيت بهذا المنظر والفكر فحلقت لحيتي إرضاءً له لكني لم أحلق أفكاري إلا بعد عامين آخرين قضيتهما في تنفيذ ما طلبه مني "اقرأ كمان" خسرت في هذه الغرفة كل الكتابات الأولى لكنني كسبت قدراً كبيراً من الوعي بالكثير من القضايا الشائكة التي غُمَّت عن الكثيرين ممن ساروا في دروب لا نهاية لها.
مطار دبي سبتمبر1995وفور دخولي إلى صالة القادمين حيث يتم ختم جوازات السفر بختم الدخول معنا الشاب الإماراتي الودود والمبتسم منذ اللحظة الأولى والفرح بلقاء مجموعة جديدة من المعلمين المتعاقدين للعمل، أطالع الوجوه الكثيرة لحاملي جنسيات تعودت أن أراها في الأقصر، أقرأ اللافتات خلف موظفي الاستقبال: (مواطنون _ مواطنو دول مجلس التعاون _ أجانب) كان لا بد أن أقف أمام الآنسة الجميلة والمبتسمة أيضا التي تختم جوازات الأجانب جاءت قصيدتي "لحظات قصيرة للموت" بعد ساعات من استقراري في الفندق وأنهيتها بصيحة ظللت أطلقها في وجوه الكثيرين طوال اثني عشر عاماً "أنت مصريٌّ॥ ها هنا باب الأجانب" وبعدها صمت عن الكتابة حوالي العامين إلى أن استعدت توازني।


النادي الثقافي العربي



.. بعد أيام قليلة جداً من استقراري في إمارة الشارقة قلت لمدير المدرسة إنني متضايق ولا أستطيع أن أتكيف مع وضعي الجديد، نصحني بالتريث والذهاب إلى شاطئ بحيرة خالد للفسحة والخروج من الملل والوحدة، لم أكذب خبراً وفي المساء سألت عن موقعها فعرفت أنها قريبة جداً من سكني، خرجت متسكعاً أطالع الوجوه وأقرأ اللافتات فجأة قرأت (النادي الثقافي العربي) ما عساه يكون؟ بدا العنوان مغرياً لواحد تغنى في طفولته بأناشيد "الله أكبر فوق كيد المعتدي" و"بلاد العرب أوطاني"، دخلت من الباب الرئيس لم يسألني أحد إلى أين ؟ طاولات كثيرة وسط الحديقة والساحة يتحلق حولها رجال ونساء عرفتهم فيما بعد وصاروا أسرتي الجديدة التي أعادت إليَّ بهجة المساء ودفء العلاقات الإنسانية الراقية: السوري مجد أرسلان واللبناني زاهر أبو حلا واليمني عمر عبد العزيز والجزائريان محمد دحو وحسين طلبي والتونسية ريم العيساوي والعراقيون صالح هويدي وعبد الكريم الجبوري وقاسم سعودي وعشرات من أبناء الجاليات العربية كلها حتى من جزر القُمُر... عندما توغلت في الداخل وجدت في إحدى القاعات عدداً قليلاً من الناس وأحدهم يدير أمسية شعرية يقرأ فيها بعض الحاضرين أرسلت إليه ورقة صغيرة طالباً المشاركة رحب بي وأراد أن أكتب له بعضاً من سيرتي الذاتية ليعرف بي الحاضرين قلت له عندما أقرأ سيعرفونني.. وقرأت. بعد أقل من عام كنت رئيساً للجنة الثقافية أو الأدبية بالنادي _ عندما نفصلهما _ وأصبحت عضواً في مجلس إدارة النادي ممثلاً للجالية المصرية حتى مغادرتي الإمارات، في هذا المكان عشت عروبتي كأنصع ما تكون؛ تظاهرنا من أجل جنين وغزة وحملنا أعلام العراق، ولبسنا الكوفية الفلسطينية ونظمنا الأمسيات الشعرية النشاطات القطرية، وتعرفت أيضاً على الكثيرين من كبار مبدعي الوطن العربي ومثقفيه وبعض سياسييه واستقبلت الكثير من الوجوه الثقافية المصرية، وكتبت بعضاً من قصائدي.. ظل النادي الثقافي العربي بيتي وموطني حتى عودتي النهائية إلى مصر.

مقهى أم كلثوم بشارع بدر في مدينة عجمان



.. الفتى الأسواني الأسمر الذي يشبه أصدقائي القدامى.. طاولة مستديرة على الطرف البعيد أجلس بعيداً عن ضوضاء لاعبي الطاولة وصراخ متابعي مباريات كرة القدم، ظهري إلى الشارع والفتى الأسمر يبدل فناجين القهوة السادة دون أن يسألني، كتب وأوراق هي الشريك الوحيد لوحدتي لا يقطع خلوتي سوى التحايا التي يلقيها بعض الذين يعرفونني، ليس بوسعي أن أقرأ أو أكتب في غير هذا المكان.. هو ملاذي بعد أن ابتعدت عن مقهى ميرغني بشارع المحطة بالأقصر حيث تعودت الجلوس وظهري إلى الشارع ثم يكون فعل القراءة أو الكتابة.

ساحة الشيخ الطيب القديمة



.. على تبة عالية يضع الجالس على دككها المتراصة أقدامه على قمم تيجان أعمدة معبد الرمسيوم وعلى يمينه أطلال مدينة هابو وخلف ظهره معبد الدير البحري وغير بعيد منه مقابر وادي الملوك وتكون الأقصر ببيوتها وفنادقها ومعابدها وبرها الشرقي هي الصورة الماثلة أمامه.. تختلط روائح البخور بنسيم البر الغربي بثرثرات رواد الساحة وأدعية المريدين وصراخ المجاذيب وصياح الدراويش وهم يتلون بأصواتهم وأجسادهم المتمايلة منظومة الشيخ أحمد الدردير "تباركت يا الله ربي لك الثنا: فحمداً لمولانا وشكراً لربنا" والساحة تحمي البيوت الطينية الكثيرة التي تحتضنها يميناً ويساراً ويدرك ساكنوها أنه لولا الساحة وشيوخها وبركتهم لامتدت إليهم أيادي الهدم والتشريد وطردتهم من هذه المساكن التي تقع فوق المقابر الفرعونية وبعضها ترتفع أسقفها على بعض الأعمدة المليئة بالنقوش وتصرف مخلفاتها الصحية في تجاويف الأرض التي ربما تكون واحدة من المقابر التي لا يعرفها أحد (حكى لي الشيخ ذات مرة أن خزان المياه الكبير الذي كان المصدر الوحيد للوضوء في الساحة سقط فجأة ذات يوم واختفى في باطن الأرض ولا يعلم أحد أين ذهب). تزاحم الحاضرون - ومعظمهم من القرى والمراكز المجاورة للأقصر وبعضهم جاء من سفر بعيد – لتقبيل يد الشيخ أو الفوز بدعاء أو مسحة على الرأس والظفر لمن تباسط معه الشيخ في الحديث أو مازحه, النزول إلى حلقات الذكر وقراءة الأوراد والأذكار والاستماع إلى المنشدين والثرثرة مع الدراويش والبسطاء القادمين بيقين الشفاء وتحقيق الغايات ونيل المراد بمجرد الولوج إلى الساحة والأكل من طعامها الذي يشفي المرضى, منذ عرفت الطريق إلى الساحة وصادقت الشيخ محمد الطيب وتزاملنا في العمل الشعبي وتحاببنا وصار الأهل ورواد الساحة يروننا متقاربين مودة وصحبة أدمنت الذهاب إلى هذا المكان الفريد بأهله ورواده وطقوسه ومعطياته التي تسحر العقول وتأخذ بالقلوب القاسية فتلين وتسامح وتنتهي الخصومات والثارات بمجرد كلمة من الشيخ ينزل بها حكمه.. والويل لمن خالف أو أبى الانصياع فسيظل متوجساً طيلة عمره ما سوف يحل به خاصة إن كان قد وضع يده على المصحف وأقسم حانثاً بكتاب الله في بيت الشيخ فاللعنة ستلاحقه وذريته ولن يكسب في حياته أبدا، أعود من الساحة محملاً بتواشيح وأذكار وتراتيل لأشعار حفظتها قديماً وحالات جديدة لبشر ممتلئون بقطوف من وهج الحياة وخربشاتها في تفاصيلهم الخفية والجلية.

الناس

الشيخ مصطفى العيع



.. لا زلت أذكره بزعبوطه الجوخ الذي لا يغيره صيفاً أو شتاءً، وعصاه الجريد الطويلة، وقد تربع وأسند ظهره إلى الجدار المصنوع من جواليس الطين في الناحية الغربية من ديوان عائلة القباحي الكبير واضعاً إلى جواره وبشكل واضح لجميع الصبية المتحلقين حوله شومتين طويلتين بينهما حبل مفتول من ليف النخيل، والويل لمن يومئ الشيخ إلى كبار الصبية ليختطفوه في سرعة البرق واضعين قدميه في هذه الفلقة المميتة جزاءً لتقصيره في حفظ السور التي كلفه بها الشيخ أو عقاباً له على نسيانه ما سبق حفظه أو مشاغباته وانصرافه عن الترديد وراء الشيخ. كان المشوار اليومي القصير إلى الكتاب والانتظار فيه إلى صلاة الظهر ثم انتظار الشيخ في المنزل بعد صلاة العصر ليقوم بالتسميع علىَّ وتحفيظ أخواتي البنات اللواتي يحرص والدي - رحمه الله - على تحفيظهن القرآن الكريم وتعليمهن في المدرسة وعقوبات الشيخ التي لا ترحم طفولة ولا صبا سبباً في حفظي أكثر من نصف القرآن الكريم الذي تفلَّت مني أغلبه _ للأسف _ فيما بعد وبقيت مخارج الحروف وطريقتي في القراءة ولغتي وموسيقى التلاوات المنغمة التي كانت وسيلتى للحفظ السريع وإلى الآن ألاحظ أحياناً أنني أتمايل مع تلاوتي للقرآن كما كنت أفعل في الكتاب.

خليفة البعيري



.. في بيتنا القديم المبني من الطوب اللبن نافذة غرفتي في الطابق العلوي تطل على منزله الطيني المستور بعض أجزائه ببوص الذرة والمكشوف أغلبه عندما يصحو قبل الفجر بقليل تتعالى أدعيته غير المنظمة والتي يرتجل فيها ما شاء أو تيسر له من بسيط الكلام ملحاً على الله تعالى فى طلب الستر والرزق الحلال وسترة البنات والرحيل من الدنيا على خير, بعد الدعاء الطويل الذي يوقظني من النوم يصلي الفجر وأغتاظ لأنه لا ينطق السور القصيرة التي يحفظها بشكل صحيح، يحمل الرجل فأسه الصغير وجوالاً من الخيش قاطعاً الطريق إلى البندر على قدميه ساعياً على رزقه وأولاده الذين يستقبلونه مبتهجين صاخبين عندما يلمحون الجوال وبه بعض ما يأملون من عشاء عند عودته قبيل الغروب، بعد أن يصلي المغرب ويتعشى مع أطفاله الأربعة يخرج إلى المصطبة الطينية أمام الدار وقد عم الظلام، نجتمع عند قدميه مؤتنسين ببصيص من ضوء مصباح الفتيل وبصوته المبحوح يطلق الموال تلو الموال ونحن نصفق ونهلل ونردد معه ما يقول، ثم يختم وصلته الليلية ببعض الحكايا التي يعيدها أحياناً في ليال تالية وقد غير فيها وبدل ما شاء، أما وقد أصغت آذاننا وخفتت أصواتنا يهب واقفاً ليمثل أجزاء الحكاية وتفاصيلها وأدوار أبطالها المنتصرين أو المنهزمين، ثم يغافلنا ويتخطى العتبة الطينية للبيت إلى داخله عندما يلمح الشيخ عبد الله يرتقي السلم الخشبي للمصلى المجاور ليؤذن لصلاة العشاء غير آبهٍ بصراخنا وتوسلاتنا. كان خليفة البعيري رغم فقره الشديد قادراً على صنع بهجته وبهجة أولاده وجيرانه من داخله الذي لا أعرف الآن شبيهاً له.

يوسف التِلب



.. بعد عصر كل أربعاء نحتشد خلفه رافعين سعف النخل وعيدان البوص هاتفين بملء حناجرنا "يستاهل ضرب السكين" ويمضي يوسف التلب مفرود القامة متباهياً بالعجل الذي يجره ليرى أهل النجع ذبيحة يوم الخميس التي سيشترون لحمها، وكثيراً ما كنا نرى العجل نفسه في الأسبوع التالي وربما لأسابيع عديدة، ويكتشف الناس أن ما أكلوه كان جاموسة فلان العجوزة أو بقرة علان التي سقطت في الساقية, وعندما أفلس ووقف حاله احترف استدعاء الغوازي من بنات مازن وأبو حراجي الزمار، وكانت ليالي الطبل والمزمار البلدي ورقص بنات مازن لا تنتهي من أمام داره كل أسبوع تقريباً، ودائماً هناك مناسبات سعيدة لاصطياد النقوط الذي يضعه أصحاب المزاج ومحترفو لعب العصا والرقص على المزمار فى الصحن الكبير المغطي بالبشكير القطن المزركش، وتزيد كمية النقوط عندما تكون المناسبة ختان أحد أولاده الذين تكرر الاحتفال بهم عدة مرات، وكانت الليالي تلك سهرات صيفية نسعد فيها بالغناء ولعب العصا خلف دكك الكبار ونحفظ الأغاني والمواويل التي تتكرر أو تختلف باختلاف المناسبة، وعندما اكتشف يوسف التلب في إحدى الليالي أن النقوط الموجود في الصحن الكبير أغلبه قطع من شقف القلل القناوي الرقيق وبعض أغطية زجاجات القازوزة والقروش القليلة المتبقية لا تكفي لدفع أجور الزمارين والغوازي، أو لسداد ثمن الجدي الصغير الذي ذبحه لعشاء الضيوف القادمين من أماكن بعيدة أمسك العصا وتوسط الجمع الغفير راقصاً بعنفوان الشباب وهو يقول "اضرب يا ريس دي ديرة راس"..، وبعدها توقف هذا العالم السحري، ولم يعد له وجود إلا في ذاكرتنا.

عبد الحافظ أحمد عبد الرحمن



.. هو جدي لأمي، والرجل الوحيد الذي رأيته في حياتي يركب حماراً وقد وضع له شكيمة على فمه حتي لا يأكل من زرع الجيران عندما يمر به قاصداً القراريط القليلة التي يزرعها بكل احتياجات المنزل من البصل والثوم والفجل والجرجير والكسبرة والكمون والفلفل بأنواعه إضافة إلى الملوخية والبامية والسبانخ وغيرها، عندما أرسلتني إليه جدتي ذات صباح بالفطور المكون من بيضة واحدة مسلوقة وقطعتين من خبز البتاو وبصلتين وبعضاً من دقة الملح والكمون وقلة الماء.. وقف شامخاً واستند إلى فأسه الكبير وتعالى صياحه منادياً جيرانه العاملين في الحقول المجاورة ليجتمع إليه منهم في دقائق أربعة نفر يشاركونه هذا الإفطار وينصرفون شاكرين كرمه حامدين الله على نعمه الوفيرة، كنت أصحبه في عمله لأستمع إليه، وهو يحكي لي عن القباحي والقرى المجاورة وأصول العائلات ولأتقرب من خالي الذي يصحبني معه إلى سينما آمون مساء كل اثنين.. في صباح الخامس من يونيو (حزيران) سنة 1967 وبينما نحن نعمل في الزرع خرقت آذاننا أصوات مرعبة لطائرات مرسوم عليها نجمة غريبة ظلت تتمايل وتلعب في الجو فوق رءوسنا ونحن نشير إلى راكبيها الذين كنا نلمح وجوههم الغريبة وعندما اتجهت صوب المطار وسمعنا دوي الانفجارات ورأينا النيران المشتعلة وقد ارتفعت إلى عنان السماء حمل جدي رحمه الله شومته الملقاة إلى جانبة وظل يطارد الطائرات التي في السماء ويتوعدها حتى اختفت عن الأنظار مخلفة النار والرماد والأنقاض في مطار الأقصر وفي النفوس.. بعد هذه الواقعة بقليل مرض جدي لسنوات ولم يعد يذهب إلى قراريطه القليلة وتوقفت أنا عن الذهاب للعمل في الزرع أو زيارة أرضنا شرق البيوت إلا قليلا.

الحاج سيد أحمد نوبي




.. ألف رحمة ونور عليه، والدي. بعد هزيمة 5 يونيو 1967 بحوالي الشهر أرسلت هيئة شئون الأفراد بالقوات المسلحة المصرية خطاباً يفيد بأنه من مفقودي الحرب وبناءً عليه سافرت والدتي إلى القاهرة لتسلُّم متعلقاته وبعض الأموال. كنت في الحادية عشرة عندما تلقيت العزاء مع رجال العائلة في والدي وكان علي أن أكبر كثيراً وأن أحلم كل مساء باليهود الذين قتلوه، وعندما بدأت وأسرتي اعتياد المسألة جاءنا خبر من أهالي بعض رفاقه في الجيش من أصحاب حالات مماثلة لنا كنا نعرفهم بالاسم بأنهم سمعوا والدي يتحدث في البرنامج الإسرائيلي الذي يذيع على المصريين نداءات الأسرى لذويهم ومن ساعتها أمسينا وأهالي النجع نتحلق كل مساء حول الراديو أمام بيتنا وينقطع أملنا ليلة بعد أخرى حتى مللنا وملَّ معنا الآخرون المسألة.. وفجأة ما بين مصدق ومكذب سمعنا صوته وانقلب ليل النجع نهاراً ولكن الغصة ما زالت في الحلق وتمضي الأيام بطيئة كئيبة إلى ليلة شتائية باردة في ديسمبر 1969، وبينما أنا غارق في النوم يشتد الطرق على الباب الخارجي للمنزل، وأنظر من النافذة لأجد رجلاً لا أعرفه يصيح "افتح يا حسين أنا أبوك" وأوقظ أمي التي تصرخ مبسملة ومحوقلة "سلامتك يا ولدي اسم الله عليك" لم تكن أمي رحمها الله ولا أنا ولا أي أحد يصدق أن سيد أحمد أبو نوبي حي وسيعود. وعاش أبي رحمه الله، بعد هذه الليلة ثمانية وثلاثين عاماً قبل أن أتلقى العزاء فيه للمرة الثانية.. ظل يحكي دائماً فيها عن حياته في الأسر وقتل اليهود لزملائه وتعذيبهم طوال مدة أسرهم التي لم تنته سوى بمساعدة عرب سيناء لمن بقي منهم على الهرب.. التفاصيل الكثيرة التي رواها لي وحفظتها ودونت أغلبها لا مجال لذكرها الآن ولكنه أورثني كراهية لليهود لا تنتهي ومقتاً وازدراءً لمن قايضوا بدماء الشهداء ولم يكترثوا لموت أسرانا غدراً.

صباح



..واحدة من آلاف النسوة في قصر المأمون.. تلك امرأة كانت ذاكرة للنيل وتفاحات للقلب الطفل وبهرجة للعيد .. لم يكن في جيبها سواي.. تحيك ثوبها العناء من فراقنا وتشعل الحرائق الدُمى..غداً ستجيء ترفع فوق كفيها

الأهلة والفراعين.. تزاحمت بثغرها النجوم واحتست دون ضجة فرات وقتها.
بعضاً مما ذكرت وغيره كثير شكّل المخزن الطبيعي الذي خرجت منه وبه تجربتي التي أرجو أن تكون صادقة كصدق هؤلاء...
أما بقية الحكاية؛ فسأحكيها لكم في جلسة الشهادات بالمؤتمر.